مؤتمر التسول والتوسل!

موفق الخطاب

حقيقة تخذلني الكلمات وتخنقني العبرات عندما اتكلم عن العراق وأين وصل به الحال!!

 

ولم اتوقع ان ار يوما يتم حمل اسم العراق من قبل حفنة من الفاسدين والسراق المتسلطين ليستجدوا باسمه وتاريخه وارثه العظيم وهو منكسر ويطوفوا به البلدان توسلا وتسولا ويجعلوه محط عطف لمن فقدوا المروءة والرحمة والانسانية!!

لا اريد ان ازيد من احزانكم فكلكم ايها الأخوة تعانون منذ سنين من غصة العراق الذي فقدناه بتفرقنا وسيرنا كالقطيع خلف المخادعين الذين تمكنوا بدهاء ومكر تحطيم ذلك البلد وسلبه من حاضرة العرب والذي كان يوما سدا منيعا للريح الصفراء ومقبرة الفتن الهوجاء التي اجتاحتنا من كل حدب وصوب.

 لكني سأحدثكم اليوم عما يسمى بؤتمر المانحين لاعمار العراق الذي عقد للفترة من 12 الى 14 من شهر شباط/ فبراير من هذا العام في الكويت الشقيقة.

فكما يعلم الجميع ان ذلك البلد الاستراتيجي بموقعه وحضارته وخيراته تعرض عبر حقب التاريخ المتتالية لكثيرمن الفواجع والنكبات لكنه ما يلبث ان يتعافى ويكمل مسيرته. وفي العصر الحديث تعرض للعديد من حملات التشويه  والحروب والدمار لكنه سرعان ما يلعق جراحه وينهض دون الحاجة ان تمتد له يد العون من اي حليف أو صديق.

وجيلنا يتذكر جيدا كيف تعمَّدت اميركا وحلفائها تركيعه بمناصبة شعبه العداء وعينها على ثرواته، فتعمدت غلق كل باب للتحاور معه طيلة اربعة عقود وهي تخطط منذ ذلك الوقت باختلاق الذرائع لاحتلاله وعزله عن محيطه العربي.

وما تزال عبارة وزير الخارجية الاميركية جيمس بيكر للراحل طارق عزيز عالقة في اذهاننا عندما ابلغه بإيصال رسالة للقيادة في العراق آنذاك وبكل وقاحة (سنعيدكم للقرون الوسطى).

وفعلا نفذت اميركا ما وعدت به واحالته الى دمار وخراب ومزقت بناه التحتية تمزيقا بحجة اخراج العراق من الكويت التي اصابها ما اصابها عندما تم غزوها بقرار خاطئ ما زال الغموض يكتنف اسراره بعد رحيل شهوده.

وبعد ان وضعت الحرب اوزراها شمر العراقييون من اعلى مسؤول الى ابسط عامل باعادة اعمار بلدهم تحت شعار (يعمر الاخيار ما دمره الأشرار) دون منح ولا قروض مرهقة ولا سطوة من صندوق النقد الدولي ولا هبات أو صدقات ودون الاستعانة بأي خبرات وشركات عالمية ولا حتى اقليمية او عربية، فخلال اقل من عام اعيد العراق الى سابق عهده، وقد اغاظ ذلك الاعداء فعمدوا الى تركيعه بحصار جائر ظالم.

ومرة اخرى تعاود اميركا لتحطم هذا البلد فبدأت بتجميع الدول ضده في حجة اثبتت الأيام زيفها بامتلاكه اسلحة الدمار الشامل وتهديده للامن والسلم الدوليين فاستمرت بحصاره ودكه طيلة 12 عاما واختلقت ازمة المفتشين حتى غزته محتلة بقواتها وعملائها لتبدأ مع احتلالها تنفيذ صفحات متتالية من الصراع والحروب الطائفية المتلاحقة لتأتي على الاخضر واليابس ثم لم تكتفِ بذلك، بل فتحت العراق على مصراعية وزجّت بكل ارهابيي العالم اليه ممن تدربوا في مخابراتها ومعتقلاتها ليعيثوا فيه فسادا ودمارا، لترسم بعدها خطة شيطانية باخلائهم ثم دك العراق دكا لتحطيم كل صرح لم تأكله الحروب وتشريد نصف شعبه.

بعد كل تلك الصفحات من حروب الابادة الجماعية تلمح اليوم تارة وتصرح اخرى وبكل صفاقة من منصة ذلك المؤتمر بالتخلى عن مسؤوليتها الاخلاقية والقانونية وتعلن على لسان احد مسؤوليها ان اعمار العراق فرض كفاية ولا يعنيها في شيء، لكن ما يدور من خلف الكواليس ان ادارة ترمب تريد استرداد اي دولار صرفته اميركا في العراق وهي غير مستعدة لانفاق المزيد!

كل ما تفعله اميركا ومن يحالفها بحق العراق والعراقيين متوقع لأنها العدو المتربص بالامة ولا يرتجى منها الخير، لكن الذي يحزّ في النفس ان يستغل اسم العراق في مؤتمر دولي هو اشبه بوقوف الكريم على ابواب اللئيم.

العراق اغنى بلد فوق وجه الارض بخيراته وثرواته وهو ليس بحاجة للصدقات ولا المنح ولا الهبات وبهذا الشكل المهين بل هو بأمسِّ الحاجة لتخليصه من براثن ايران ومن السراق والقتلة والمجرمين الجاثمين على صدره الذين زجت بهم اميركا بعد ان جمعتهم من كل اصقاع الارض.

العراق بحاجة لوقفة دولية ولمؤتمرات عالمية لكن ليس من اجل جمع الاموال له لانها بالنتيجة ستبلع من قبل حيتان الفساد، بل هو بحاجة الى الوقوف مع شعبه وتخليصه من افسد طبقة يشهدها التاريخ القديم والحديث.

فوالله فبقدر حزني على ذلك البلد واهله المنكوبين ويقشعر بدني عندما اتذكر جثث الضحايا والاطفال الابرياء الذين ازهقت ارواحهم بحجة داعش والتي ما زالت مطمورة تحت الانقاض في الموصل الحدباء العزيزة ام الربيعين فانه يلفني الحزن والأسىى ان يحمل اسم العراق للتسول والتوسل، ويا ليت من يقوم بذلك، رغم صعوبته، رجالٌ صادقين يمثلوا البؤساء والمشردين لعذرناهم، لانها حيلة المضطر، بل ان من يتقمص الدور هم نفس الطاقم الذي اوصل العراق لهذه الدرجة من الفقر والخراب فقد تجمعوا بعد ان افرغوا خزائنه ونهبوا خيراته ورهنوا ابار نفطه وثرواته وحولوها الى ارقام فلكية في حساباتهم ومن يقف خلفهم ولم يعد هنالك شيئا ليتقاسموه فلبسوا قناعا جديدا وبدّلوا جلدهم ليجمعوا ما يمكن لهم جمعه ليطيروا به الى مصالحهم وحساباتهم الشخصية، وكلي امل ان لا تنطلي تلك المسرحية على (المانحين)، وانا على يقين ان المجتمع الدولي لم يعد مغفلا عن فسادهم الذي يزكم الانوف.

لن يتوقع لذلك المؤتمر الخروج بشيء ينفع العراق في الامد المنظور ولن يصلوا الى الرقم الذي يأملون بالحصول عليه، 88 مليار دولار، ولن يصلوا عشره بل ان ما سيحصلوا عليه لا يتعدى ان يكون قروض مرهقة ومجدولة ووعود بالاستثمار ولن تتحقق قريبا لاسباب عدة منها:

الفساد الاداري الضارب بأطنابه في كل قطاعات الدولة العراقية، ان كان هنالك دولة، وانتشار الميليشيات بشكل مخيف والصراع السياسي في تقاسم السلطة والثروات وغياب القانون وسطوة ايران بشكل واضح من خلال عملائها وعدم كفاءة ولا نزاهة القضاء العراقي وندرة الكفاءآت والنخب العراقية الوطنية المخلصة النزيهة التي غادرت البلاد والتي من المفترض انها ستشرف على الاعمار، وكذلك صعوبة دخول المستثمر الاجنبي للسوق العراقية لهشاشة قانون الاستثمار الحالي ليس في صيغته بل في امكانية تطبيقه، والبيئة الاستثمارية الطاردة وسطوة وتدخل الاحزاب والميليشيات، والحصص مسبقة الدفع التي تمثل اكبر عقبة لدخول المستثمر ونجاح الاستثمار!

لا اريد ان اقنط القارئ ولا العراقي الشهم الكريم واخص بالذكر منه من فقد بيته وهو جالس في الخيام وعينه على هذا المؤتمر وذاك، ويلفه مستقبل غامض وهو يعيش اسوأ الظروف هو وعياله. لكنها الحقيقة المرة التي يجب ان تقال، فلن يستعيد العراق عافيته ولن يعود لسابق عهده ولن تعمر مدنه المدمرة ولن يعود لمصافي الدول بوجود تلك الطبقة الفاسدة وانتشار السلاح والعصابات والمليشيات التي تباركها العمائم.

فمتى ما ازيحت من سمائه تلك الغمامة السوداء وتوقف هبوب الريح الصفراء فستتحرك بانسيابية عجلة الاعمار والاستثمار. فالعراق العظيم ليس بحاجة لمؤتمرات ولا لهبات ولا صدقات من دول ولا منظمات او جمعيات ولا ان يرتهن لقروض تكبله ولا شروط صندوق النقد الدولي التي هي اقرب للذلال والاحتلال.

فكوا عنه القيود فهو بثرواته وخيراته ورجالاته وكفاءآته سينهض بطريقة مثلى وبزمن يذهل الجميع.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,434,079

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"