لن يحل العراقيون مشاكلهم بأنفسهم!

هيفاء زنكنة

وافق وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يوم الخميس الماضي، على توسيع مهمته بالعراق. لماذا؟ لا يأتينا الجواب، كما هو مفترض، من الحكومة العراقية، باعتبارها حكومة البلد المعني المنتخبة ديمقراطيا، بل ان كل التوضيحات، المتوفرة، حتى الآن، صادرة عن قيادة الحلف والقيادة العسكرية الامريكية. «حتى يتم بناء الجيش كاملا» حسب ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للحلف، وان «من مصلحة الناتو المساهمة في تعزيز الاستقرار وبناء القدرات العراقية». وسيكون اتجاه الناتو «نحو مهمة ثابتة في العراق من أجل بناء القدرات» و«حماية الشعب من صعود تنظيمات إرهابية جديدة أو ما شابه».

 

يتخلل هذه الصورة الوردية التي رسمها الأمين العام للناتو، نقاطا سوداء عديدة. تبدأ بالجهة المتقدمة بالطلب وتنتهي بالادعاء بحماية الشعب العراقي.

من هي الجهة صاحبة فكرة التمديد؟ في الوقت الذي يؤكد فيه الأمين العام ان الحكومة العراقية هي التي تقدمت بطلب تمديد وتوسيع مهمات الناتو، صرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس بأن هذه الموافقة تمت بناء على طلب رسمي وجهته الولايات المتحدة، لحلفائها في الناتو، الشهر الماضي، للمساعدة في تحقيق الاستقرار، بالعراق، بعد ثلاثة أعوام من الحرب على تنظيم «داعش».

لا يبدو ذلك مستغربا، فقيادة الناتو، عمليا، أمريكية. ووجود الناتو، بالعراق، يعود إلى آب/ أغسطس 2004، تحت مسمى «بعثة التدريب»، مهمتها المعلنة «التدريب لمساعدة قوات الأمن العراقية بالتعاون مع القوات المتعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة». أي ان دخول الناتو إلى العراق تزامن مع احتلاله، وان تم الإعلان، كما هو الحال الآن، أن انشاء «البعثة»، التابعة كليا لسياسة الناتو، جاء بناء على طلب الحكومة العراقية المؤقتة، برئاسة أياد علاوي، وبقيت البعثة حتى نهاية عام 2011 مع الإعلان الرسمي لانسحاب القوات الامريكية، مع ربط البلد بالاتفاقية الأمنية ومعاهدة الإطار الاستراتيجي.

تتركنا تصريحات الأمين العام للناتو ووزير الدفاع الأمريكي، امام سؤال يتجاوز ما اذا كانت الحكومة العراقية قد طلبت توسيع المهمة أم لا، ليختزل الى: هل تم ابلاغ الحكومة بتوسيع مهمة الناتو؟ فرئيس الحكومة حيدر العبادي مثابر على التصريح بانه لا وجود لأية قوات أجنبية على ارض العراق، كما يواظب المتحدث باسم رئيس الحكومة على التأكيد بأنّه جرى تخفيض عديد المستشارين والمقاتلين والمدربين في التحالف الدولي بالعراق بشكل تدريجي. فإذا كانت الحكومة تعمل على تخفيض أعداد المدربين والمستشارين الاجانب، فعلا، فلم طلب ارسال المزيد من قوات الناتو، والحصول على موافقة الناتو لارسال بعثة مستشارين ومدربين، مهمتها « تطوير الأنشطة التدريبية الحالية، بتمويل أفضل وتواجد أكبر» كما صرح ستولتنبرغ؟

وكيف ستنفذ البعثة مهامها «الإنسانية»، المتعددة، المعلنة؟

يبدو ان قرب موعد الانتخابات يجعل الساسة العراقيين لا يرغبون بالتعليق على قرار الناتو، علنيا، بالتبني او التنصل، ولا يرغبون باستفزاز اية جهة كانت، سواء كانت الولايات المتحدة التي دمرت البلد استنادا على أكاذيب أو أيران التي جعلت من العراق، عبر ميليشياتها، ارضية صالحة لمفاوضاتها مع أمريكا.

اذن، السكوت من ذهب، هو شعار الساسة الأول، ولتستقر قوات الناتو، أينما تشاء وكيفما تشاء. لا تقتصر الدعوة على قوات الناتو بل انها «مفتوحة لمساهمات الدول الشريكة من غير أعضاء الناتو»، أيضا، حسب السيد ستولتنبرغ، الذي تحدث بلغة المدافع عن أمن دول الناتو، قائلا إن «من الخطر ترك العراق مبكرا، فلو فعلنا ذلك الآن قد نضطر إلى العودة مستقبلا والانخراط في معارك، وهذا ما لا نرغب فيه»، محاولا ستر الفشل الذريع الذي منيت به «بعثة الناتو التدريبية»، داخل العراق، من عام 2004 إلى عام 2011، حيث قامت حسب ادعائها بتدريب 15 ألف ضابط عراقي، وأدارت 2000 ورشة تدريب عسكرية، وقيامها في أيلول / سبتمبر 2012، بالتوقيع على برنامج شراكة وتعاون مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكانت النتيجة تسليم القوات العراقية مدينة الموصل إلى مقاتلي «داعش» بطريقة صارت تُدَرَس كنموذج مذهل لنتائج ذلك التدريب.

ويأتي فشل النظام العراقي في الحصول على المنح، بقيمة 88 مليار دولار، التي تقدم بطلبها من مؤتمر المانحين، بالكويت، وتحويل المنح الضئيلة التي أعلنت إلى قروض تضاف إلى 128 مليار دولار مديونية حالية، ستقيد المواطن العراقي، على مدى أجيال مقبلة، نتيجة الفساد، ليضيف إلى قائمة الأسباب الموجبة للصمت، مهما كانت القوى التي تود تقاسم البلد والهيمنة على ثروته، ما دامت ستشبع نهم الفاسدين.

يعيدنا الصمت العراقي، الحالي، حول وضع العراق تحت هيمنة سياسة حلف الناتو إلى الماضي القريب، إلى ما حدث قبل 70 عاما في 15 يناير/ كانون الثاني 1948 حين وقعت الحكومة العراقية «معاهدة بورتسموث» في ميناء بورتسموث البريطاني. وكم يبدو الامس قريبا، حين نقرأ ان المعاهدة كانت تنص على السماح للجيوش البريطانية، بدخول العراق، كلما اشتبكت في حرب مع الشرق الأوسط، وحتمت المعاهدة ان يمد العراق هذه الجيوش بكل التسهيلات والمساعدات في أراضيه ومياهه وأجوائه. فثارت ثورة الشعب من شمال البلد إلى جنوبه، واستعيدت أجواء ثورة العشرين، احتجاجا وتظاهرا واعتقالا وسقوط شهداء، حتى تم اجبار الحكومة على الاستقالة وإلغاء المعاهدة كم يبدو الماضي بعيدا، إزاء الصمت الحالي لتسليم العراق لكل من هب ودب.

لقد عمل المستعمر الجديد، بالتعاون مع طبقة الساسة الفاسدين، على تمزيق البلد طائفيا وعرقيا، حتى بات، بتمزقه ونفطه واستمرارية استخدامه، كبعبع للتخويف من «الإرهاب» بمسمياته المتعددة، ورقة مقايضة، للعديد من الدول الإقليمية والدولية. بات وجود «القوى الخارجية» ضرورة يتسابق الساسة على نيل رضاها والترويج لاستمرارية ابقائها. صار الشعار الاستعماري القديم عن عجز الأمم:» لن يحل العراقيون مشاكلهم بأنفسهم» بديلا للمقاومة. بل أصبح، وهنا يكمن نجاح الاخصاء، موضوعا للنقاش، حتى داخل بعض الأوساط الوطنية، اليائسة، من استرجاع اللحمة الاجتماعية بجهود وطنية. هذا الشعار هو الترجمة الحرفية لتصريح الأمين العام للناتو بان سبب نشوء «داعش»، بالعراق، هو انسحاب القوات الامريكية و« يجب أن نبقى لفترة طويلة»، متعاميا عن حقيقة ان ما جلب كل الخراب، بأنواعه، إلى العراق هو الاحتلال وان ترسيخ وجود القوات الامريكية بالإضافة إلى قوات الناتو، بشكل رسمي، مع وجود الساسة الفاسدين وميليشياتهم متعددة الولاء، سيجلب دمارا لا يعرف أحد مداه.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :107,100,924

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"