مشاهد من الموصل والرقة بعد الانتصار على داعش

ليست «دنبر» كلمة عربية، هي تحريف لكلمة «دانبر» بالإنجليزية، ومعناها نوع من التراكتورات الصغيرة التي يتم تركيب وعاء كبير في مقدمتها لنقل القمامة. وتستخدم بشكل عام في أزقة المدن المكتظة، التي لا تستطيع شاحنات القمامة الكبيرة الدخول إليها. في الحي القديم من الموصل تحول الـ «دنبر» إلى أداة «ما بعد الحرب» الضرورية. 

 

تجمع عشرات منها كل يوم أطنان أنقاض البيوت التي خلّفتها الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). تستخدم هذه التراكتورات الصغيرة من قبل متطوعين شباب يئسوا من مساعدة الحكومة العراقية، لذلك فتحوا صفحة خاصة في الفيسبوك بعنوان «دولارين في اليوم»، وهي أجرة استئجار الدنبر من أصحابه. تمت إزالة حوالي مليون ونصف مليون متر مكعب من الأنقاض من وسط الموصل، وحسب تقديرات قسم الهندسة العراقية، هناك كمية مثلها من الأنقاض يجب إزالتها.
مرت حوالي 7 أشهر منذ إعلان الانتصار على داعش في الموصل، ولكن مئات الآلاف من سكان المدينة، ما زالوا غير قادرين على العودة إلى بيوتهم. آلاف الألغام والعبوات الناسفة خلّفها رجال داعش وراءهم، إضافة إلى الدمار الكبير الذي سببه القصف. حسب تقدير الأمم المتحدة، تحتاج المدينة إلى 10 سنوات على الأقل للعودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
تكاليف إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار باهظة جدا، وتدّعي حكومة العراق أنها غير قادرة على تحمّل العبء المالي وحدها. يصل القليل من المساعدات فعليا من الدول الغربية، لكن جزء منها لا يصل إلى العنوان المخصصة له، وتصعب أيضا مراقبة المبالغ التي تنجح في الوصول. من دون الشبكات الاجتماعية ونشاط المتطوعين، لن يكون هناك احتمال بالنجاح لنشاطات إعادة الإعمار بالحد الأدنى.
حسب تقارير الأمم المتحدة، فحوالي 80% من إجمالي الخدمات الصحية في محافظة نينوى ومدينة الموصل ،لا تعمل. أدوية كثيرة في نقص، وكذلك أطباء وممرضات وقوى مساعدة طبية. هرب الكثيرون منهم في فترة سيطرة داعش، ولا يستطيعون العودة إلى بيوتهم. كلهم ينتظرون انتهاء أعمال «الدنبرات».
ولكن ليست إزالة الأنقاض وحدها ما تعيق إعادة الإعمار، ففي الحي القديم بالموصل ما زالت جثث كثيرة مدفونة، يقدر عددها بالآلاف. لا تستطيع الحكومة العراقية وإدارة المحافظة أو لا ترغب بإخراجها. «نهتم أولا بجثث سكان المدينة، ليست لدينا الأموال للتعامل مع جثث أعضاء داعش»، قال مدير خدمات الهندسة في وزارة الداخلية للواء الموصل. بين الفينة والأخرى تتوقف أعمال انتشال جثث السكان كذلك، بسبب نقص أكياس النايلون أو الحمالات أو الأكفان.
يضطر أبناء عائلات للقيام بمهمة الانتشال بأيديهم، ولا يعرفون بشكل مؤكد إن كان أبناء عائلتهم بالفعل مدفونين تحت الأنقاض أو في المقابر الجماعية التي تم حفرها بسرعة أثناء الحرب. قدم أحد المواطنين شهادة أمام مراسل صحيفة «الحياة» بأنه دفن بيديه أثناء الحرب 50 ـ 60 قتيل، من دون أن يعرف من هم ومن أقاربهم. سجل في وزارة الداخلية حوالي 9 آلاف طلب من مواطنين بلّغوا عن أقاربهم المفقودين ويطلبون مساعدة السلطات. وتيرة العلاج بطيئة جدا، وحسب وزارة الداخلية يتم حاليا معالجة حوالي 300 طلب.
تُشمّ رائحة تعفن الجثث في بضعة شوارع، و تحول التنكيل بالجثث الذي صُوّر لنشطاء داعش إلى جزء من ألعاب الاطفال. قال أحد السكان، أحمد سعد، لموقع «نقاش» العراقي إنه اعتقد أنه يمكنه الدخول إلى بيته بعدما قام متطوعون بإزالة الأنقاض من حوله، «لكن عندما دخلت وجدت جثتين في البيت، أغلقت البيت ولم أرجع، كيف يمكنني العيش مع جثث؟».

إعادة تأهيل

تستند الآن عملية إعادة الاعمار البطيئة على مبادرات مواطنين، ليس فقط في مجال إزالة الأنقاض وبناء البيوت. قررت مجموعة من رجال الدين أن يأخذوا على عاتقهم مهمة كبيرة؛ إعادة تأهيل سكان المدينة ولا سيما الأطفال بعدما تعرضوا خلال أكثر من 3 سنوات للوعظ من قبل داعش. يشرحون في صفحة المجموعة على الفيسبوك، بأن هدفهم تقديم تعليم ديني معتدل، وحياة من التعاون والسلام والمصالحة الاجتماعية. ويقترحون في إطار نشاطهم ورشات عمل أسبوعية لتعليم قيم الإسلام المعتدل، يعقدون محاضرات ولقاءات حول حقوق الإنسان، بل إنهم يصلون إلى أماكن العمل لمحاولة استئصال «الفكر الداعشي» من العاملين الذين اضطروا للعمل مع داعش في فترة احتلال المدينة. مبادرة مهمة، لكن ينشغل السكان حاليا بأمور أكثر إلحاحا.
على بعد 500 كم تقريبا عن غرب الموصل، في مدينة الرقة، التي حررت أيضا من سيطرة داعش قبل نحو 4 أشهر، شابة كردية تحاضر أمام مجموعة من النساء حول بنية النظام، وحقوق المرأة في الدولة الحديثة.

هذه مبادرة من المجلس المدني في الرقة، الذي تأسس بعدما احتلت القوات الكردية معظم أجزاء المدينة من أيدي داعش. المجلس المدني هو جسم تطوعي أخذ على عاتقه إدارة شؤون المدينة اليومية، مثل تجديد نشاطات جهاز التعليم وجهاز الصحة، وتنظيف المنطقة من العبوات الناسفة – وكما في الموصل، تُركت هنا أيضا آلاف العبوات في الشوارع والبيوت- ونشاطات شرطية وقضائية، وكذلك التدريب وزيادة الوعي حول أهمية ومكانة المرأة.
في المحاضرة التي تظهر في صفحة الفيسبوك تشارك حوالي 46 امرأة في ورشة عمل مدتها 23 يوما، من الصباح حتى المساء. يتعلمن فيها مواضيع مثل؛ الديمقراطية، المرأة والسياسة، قراءة نقدية لكتب وكتابة المقالات. مواضيع التعليم ومضمونها مليئة بالإيديولوجيا التي يتبناها تنظيم العصابات «حزب العمال الكردستاني» برئاسة عبد الله أوجلان الموجود في السجن التركي، والتي تقول من ضمن أمور اخرى، بأن النساء مساويات للرجال ويستطعن، بل حتى يجب عليهن، تحمل مسؤولية متساوية، بما في ذلك القتال والقيادة.
لكن لا يمكن لهذه الدورات التعليمية التخفيف من ضائقة عشرات الآلاف من سكان الرقة ودير الزور، الذين لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم بسبب الألغام والعبوات التي تقتل كل أسبوع عشرات الأشخاص.

عدد طواقم تفكيك الألغام أقل من أن يستطيع أداء المهمة الثقيلة التي ستسمح لآلاف السكان العودة لبيوتهم. هذا النقص في التخلص من الألغام، يمكنه أن يكون مصدر رزق مربحا لمن هو خبير بذلك. حسب تقارير من الرقة فإن تنظيف «شخصي» لبيت من العبوات الناسفة يمكن أن يكلف 100 دولار، وهو مبلغ كبير، قليلون من يمكنهم توفيره. خرج المجلس المدني بمبادرة لتأهيل شباب في مجال العبوات وتفكيك الالغام، لكن هذا ما زال بعيدا عن تلبية الحاجات كذلك.
يعيش عدد كبير من السكان البالغ عددهم 450 ألف شخص، من سكان الرقة ومحيطها قبل الحرب، في مخيمات للاجئين أقيمت بعيدا عن المدينة. ظروف الحياة فيها بعيدة عن أن تكون جيدة. حسب تقرير موقع «ريليفويب» الذي يعمل في إطار وكالة تنسيق النشاطات الإنسانية للأمم المتحدة، فإن حوالي 600 ألف شخص، هجّروا من بيوتهم في الرقة ودير الزور. وقد اضطروا إلى الاعتماد على منظمات وجمعيات، أوقف نشاطها بشار الأسد في كانون الثاني/يناير، وفقط مؤخرا تم التوصل لاتفاق لمواصلة نشاطها بصورة مؤقتة. تدهور، في فترة تجميد نشاطها، وضع مئات آلاف الأشخاص الذين يحتاجون للعلاج الطبي. فقط بمساعدة متطوعين ومتبرعين محليين كان يمكن شراء الأدوية بكميات محدودة. مثلا، حصل طبيب ألماني يعمل في مخيم عين عيسى للاجئين قرب الرقة، على مبلغ ساعد في شراء أدوية لمرضى السكري وأمراض القلب والحصبة لصيدلية المخيم. لكن الكميات محدودة جدا ويتم توزيع العلاج بحصص حسب الوصفات الطبية، ولا توجد أي ضمانة بأن توفيرها سيستمر.
في الوقت نفسه، تزدهر في المدينة تجارة المواد المسروقة من بيوت السكان، إلى درجة أنه تم فتح أسواق كاملة لعرض المسروقات. يتهم عدد من المواطنين القوات الكردية بتنفيذ السرقات، وحتى أنهم يصفون كيف أن شاحنات تدخل شوارع المدينة ويقوم عمال بإفراغ البيوت التي هجرت. يتهم آخرون عصابات المافيا التي نمت في المدينة بعد طرد داعش، بالسيطرة على ممتلكات السكان. ظاهرة مشابهة توجد كذلك في مدينة الموصل في العراق، ولكن يبدو أن أعمال الشرطة أكثر نجاعة.

حرب من دون ابطال

تدير مدينتا الموصل والرقة الآن ما يمكن تسميته ب . هذه حرب آخذة في النسيان، ولم تعد تهم أحدا، لأنه لا يوجد فيها دراما القصف إطلاق النار والصراعات السياسية، بل «صراع بقاء مضني لمئات الآلاف من بني البشر» فحسب. هذه الحرب ليس فيها رموز بطولة أو أيقونات للمعاناة تجنّد الرأي العام العالمي. من مركز النضال بين الدول العظمى ترجع هذه المدن لمعالجة حكوماتها وتتحول إلى «مشكلة محلية» مثل مدن خربة أخرى في أرجاء العالم.
بعد أيام أو أسابيع ستنضم أيضا الغوطة الشرقية غرب دمشق لقائمة المدن المدمرة. يعيش حوالي 300 ألف شخص الآن في هذه المدينة تحت الأرض، في الملاجئ والأقبية، من دون غذاء وعلاج ومن دون هواء للتنفس. قصف شديد، سوري وروسي، يواصل تدمير بيوت المدينة وقرى المحافظة، من أجل السيطرة على أحد المعاقل الاخيرة للمتمردين. قتل مئات الأشخاص في الهجوم الأخير الذي استمر حوالي أسبوع. تظهر دول الغرب القلق الكبير، يدين زعماء المذبحة والدمار، تدعو الأمم المتحدة إلى وقف القصف، ولكن الغوطة الشرقية تستخف بالجهود الدولية. مثل مدن أخرى في هذه الحرب ستستغل حتى النهاية أيام المجد والاهتمام الدولي إلى حين تدمرها داخل نفسها. باختصار، موضوع آخر «سوري داخلي».

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :120,534,478

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"