خطاب بوتين السنوي: قعقعة سلاح وحقل تجاربه سوريا

د. مثنى عبدالله

في الأول من الشهر الجاري، وأمام الجمعية الفدرالية الروسية، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين بنبرة تهديد واستعراض قوة عن جيل جديد من الاسلحة المتطورة، اشتملت على منظومة سارمات الصاروخية، التي تحمل صواريخ بالستية ثقيلة عابرة للقارات بمديات تحليق غير محدود، وصواريخ مجنحة نووية لها القدرة على التحليق غير المحدود، كما أن مساره غير قابل للتنبوء بوجهته. 

 

ومنظومة كيجال الصاروخية الاسرع من الصوت، بالإضافة إلى غواصات مُسيرة قادرة على الغوص في أعماق كبيرة ولمسافات قارية وبسرعات فائقة. وعلى الرغم من أن الخطاب الذي استمر لمدة ساعتين تفوقت فيه لغة القوة وتطور الصناعة العسكرية على أي شيء آخر، لكنه تحدث أيضا عن المشاكل الاجتماعية الداخلية، بينما غابت القضية السورية والاوكرانية عن التناول.

فما هي الرسائل التي أراد الرجل أيصالها؟ ولمن هي موجهة؟

لعل أولى الرسائل التي وجهها للخارج وأهمها هي قوله إن «أي استخدام للاسلحة النووية ضد روسيا أو حلفائها سنعتبره هجوما نوويا على بلادنا». وعلى الرغم من أن بوتين لم يحدد من هم هؤلاء الحلفاء، لكن العلاقات التحالفية الروسية واضحة على الخريطة الدولية، وتشير إلى كوريا الشمالية وفنزويلا وإيران وسوريا على أنها دول الحلفاء المعنيين، خصوصا أن الأولى هددها ترامب بالمحو من الخريطة، وطلب من الخبراء في صناعة السلاح النووي تطوير أسلحة نووية صغيرة وذات محدودية في التأثير، فذهبت التقديرات إلى أن المقصود بها كوريا الشمالية.

ومع أن استخدام السلاح النووي بات مجرد سلاح ردع، لأن البادئ باستخدامه لن ينجو من ضربة معاكسة، فإن الرئيس الروسي هنا يستخدم التهديد به بمفهوم (دبلوماسية السلاح) لتحقيق مصالح بلاده، حيث يقول «لم يستمعوا لنا في السابق، والآن عليهم أن يستمعوا جيدا» أي أنه بهذا التهديد يضع خطوطا حمرا لتطويق خريطة المصالح الروسية، كما يبرز إلى العلن دور بلاده كدولة حامية بكل ما يتطلبه هدا الدور من أثمان كبيرة على المستوى الدولي، وبكل ما يوفره من عائدات اقتصادية ومناطق نفوذ جديدة، فروسيا تحاول دخول منطقة الشرق الاوسط ومنافسة الولايات المتحدة فيها. وعلى الرغم من أن كل عقود التسليح التي أبرمتها في المنطقة لم تتجاوز نسبة 15% مقارنة بصفقات السلاح الأميركي، لكنها تقف اليوم وبقوة كمصدر منافس، خاصة أن السلاح ليس صفقة مالية فقط، بل اتفاقيات تدريب وتعاون وقطع غيار وعقيدة عسكرية، وهي عملية مستمرة لا تتوقف، وقد عقدت إيران وتركيا اتفاقيات للحصول على منظومة صواريخ أس 400، على الرغم من الأخيرة عضو في حلف شمال الاطلسي، وهو ما أغضب واشنطن كثيرا. كما أن هنالك دولا أخرى تسعى للحصول على هذا السلاح مثل الصين ومصر وقطر، وربما حتى السعودية. وأن هذه المنظومة ليست مجرد سلاح، بل هي أداة استراتيجية تعطي لروسيا الكثير من النفوذ وبرؤية جديدة قوامها المال والسياسة، فلقد بات السلاح اليوم من أهم الأدوات التي تعزز العلاقات بين الدول وتحصر التوجهات المختلفة في اتجاه واحد.

إن أكثر ما يزعج بوتين هو النظرة الأميركية التي ترى في روسيا مجرد قوة إقليمية نزقة، لذا هم يحاولون تقليص قدراتها بالتطويق. التطويق بالناتو في أوكرانيا ودول البلطيق، وبالتهديدات بضرب سوريا التي يتواجد جيشه فيها. كما أن التحركات الأميركية في ليبيا والعراق وسوريا، وبناء دروع صاروخية في بولونيا ورومانيا وبلغاريا، والغارة التي قتلت العديد من المرتزقة الروس الذين يقاتلون في صف النظام السوري، والإشارات الواردة بأن الأميركان قد يكونون خلف غارات الطائرات بدون طيار على القواعد الروسية في سوريا، وسقوط طائرة روسية مقاتلة يشك بإصابتها بصاروخ أميركي. كل هذه الاصطدامات دفعت الروس للاستنتاج بأن الوضع خطير جدا، وأن العلاقات مع الولايات المتحدة باتت في أدنى مستوى لها، وبالتالي عليهم التحرك والتهديد بأسلحة قد تحدث حالة من الصدمة والترويع لدى الآخرين. قد لا تبث هذه الأسلحة الرعب في صفوف الأميركان، وقد لا تكون مفاجئة لهم، لأنه قد تكون لديهم معلومات استخباراتية عنها إن كانت موجودة فعلا. لكن هذه التهديدات تخيف أوروبا، خاصة دول شرقها حيث لا حماية أميركية كافية. كما أن أوروبا تخلو تماما من أي رؤية للتعامل مع الفاعل الروسي. وبالتالي هو يعتقد بأن هذا سيقود الآخرين إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات. فروسيا بأمس الحاجة إلى التعاون مع أوروبا والولايات المتحدة كي تعيش وتتقدم، خاصة أن العقوبات عليها مؤثرة وتستنزفها كثيرا في الوقت الحالي، حيث الانخفاض الكبير الذي تشهده أسعار النفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي للاقتصاد الروسي تقريبا، واستمرار الولايات المتحدة بإنتاج النفط الصخري.

كذلك كانت في الخطاب رسائل موجهة إلى الداخل، حيث دعا إلى خفض مستوى الفقر إلى النصف خلال السنوات الست المقبلة، والعمل على ضمان معدلات نمو أعلى من دول العالم، وزيادة الصادرات إلى الاسواق خلال 4 سنوات، ومضاعفة النفقات في مجال الصحة وتأمين رعاية طبية عالية الجودة. وهي رسائل حاول إيصالها إلى مواطنيه وناخبيه قبل أسبوعين من الانتخابات من تاريخ كلمته أمام البرلمان الروسي. فعلى الرغم من عدم وجود معارضة حقيقية قوية وفاعلة ضده في الميدان، وأن نسبة المؤيدين له قد تصل إلى 70%، لكنه يعلم أن التأييد لا يمكن أن يستمر في ظل ظروف اقتصادية صعبة وهو ما يخافه بوتين. لذلك هو سعى في خطابه إلى خلق عدو خارجي يتربص بروسيا، وركز كثيرا على القوة والجبروت العسكري كي يستنهض الشعور الوطني، عل المصاعب الأخرى تتنحى جانبا.

لكن ما يلفت الانتباه حقا هو أن الرئيس الروسي كرر ما قاله قادة جيشه أكثر من مرة. يقول «إن العملية الروسية الجارية اليوم في سوريا أظهرت زيادة قدرات البلاد الدفاعية» وإن العالم يعرف الآن كل الأسلحة الرئيسية الروسية بعد عملية سوريا». إنه اليوم يفاخر بأن سوريا بكل جغرافيتها و ديموغرافيتها كانت حقل التجارب الأول لأسلحته، وأنها ميدان الرمي وساحة العرضات التي يتدرب فيها جنرالاته وجنوده على السلاح والتخطيط العسكري كي يكتسبوا الخبرات، وهي المصد الدفاعي الاول عن بلاده، على الرغم من أنها ليست أرضه. وأمام هذا الفعل الدنيء تسقط كل الادعاءات بأن وجود جيشه شرعي في الاراضي السورية، لان الحكومة هي التي استدعته، وهو عار يلاحق الحكومة الروسية كما الحكومة السورية أيضا.

كما أن هذا التفاخر بقتل الشعب العربي السوري يظهر أن الدول الكبرى جميعها تشبه بعضها بعضا. فقد سبق للأميركان فعل الشيء نفسه، حين أوعز ترمب باختبار ما سُيميت أم القنابل في أفغانستان، وقال بأنه سيطور هده الترسانة في رسالة تهديد لكوريا الشمالية والصين.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,343,992

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"