الوحش القادم من الشرق

محمد عارف

فتحتُ ستارةَ غرفتي فوجدت الجليد يغطي حديقة منزلي جنوب لندن، وعريشةُ الياسمين التي تتسلق ناصية نافذتي مكللةً بالجليد الذي غطىّ أشجار السرو السامقة، وتوسّدَ الأوراق الفضية لشجرتيْ زيتون فَتِيَّتَين غرستُهما جوارَ السرو، حمايةً من شتاء إنجليزي قارس، فتك بنخلتيّ العراقيتين.

 

هذا الهجوم الجليديُّ المباغتُ حدث في كل مدينة أوروبية أقمتُ فيها، وكنتُ أدهش عندما أستيقظُ صباحاً فأجد كل شيء ملفعاً بالبياض. في مدينة «ووج» في «بولندا»، حيث درست اللغة البولندية، شهدتُ أول مرة تساقط الثلج، وظننته أوراق الأشجار تتساقط بسبب البرد.

وفي العاصمة التشيكية «براغ» كان عليّ وعروسي أن نزيل ركام الثلوج لإخراج السيارة المدفونة في باحة منزل الطلبة، حيث كنا نقضي أسبوع العسل. وفي موسكو كنت أغالب الحنين لزوجتي وطفلّيَ في بغداد، برياضة التزحلق على الجليد، وأتجاوز خوفي أن أسقط مغشياً عليّ، وتغطيني الثلوج المنثالة، ولا يعثرون على جثتي إلا عند ذوبانها في الربيع.

و«الوحش القادم من الشرق»، كان عناوين تقارير الصحف عن دوامة جليدية قادمة من سيبيريا، ضربت حتى إيطاليا وإسبانيا واليونان جنوب القارة الأوروبية. وفي النرويج، شمال القارة انخفضت الحرارة إلى 42 تحت الصفر، فيما كانت 2 فوق الصفر في القطب الشمالي. كيف أمكن حدوث ذلك؟

السؤال مطروح، ليس في أوروبا فقط، بل في أميركا أيضاً، حيثُ تدعمُ الظاهرةُ موقف الرئيس ترامب ضد اتفاقية المناخ العالمي التي يعتبرها «كذبة صينية» لفرض قيود على الصناعة الأميركية. إلا أن عالِم المناخ الأميركي «يودا كوهين» يفسر العلاقة بين دفء القطب وكوارث العواصف الثلجية في مدن أميركية عدة: «عندما تضعف الدوّامات القطبية تسمح للرياح الباردة بالهروب إلى الجنوب». ويقارن «كوهين» ذلك بالبرّاد «عندما نغلق بابه يبقى داخله بارداً، والمطبخ دافئ، لكن إذا تركنا باب البرّاد مفتوحاً يتدفق البرد إلى المطبخ، فيما يتدفق الهواء الدافئ إلى داخل البرّاد».

ويوم الخميس الماضي استعاد «الوحش القادم من الشرق» معناه «التاريخي» عندما هدّد الرئيس الروسي «بوتين» بطوربيدات نووية، وأسلحة ليزرية، وصواريخ «خفية» عابرة للقارات، وغواصات تحمل قذائف نووية، تجعل أعماق البحار ميادين حرب. ورافقت خطابه في «البرلمان الاتحادي الروسي» لقطات فيديو عرضتها شاشة عملاقة خلفه لصواريخ تستهدف نقاط ضعف استراتيجية واشنطن، التي تركز على هجمات صاروخية قادمة من الأعلى، فتأتيها من الأسفل.

صاروخ «كينجال»، ويعني «خنجر»، «لا تضاهيه أي أسلحة أميركية، فهو ينعقف كالخنجر العربي حول خاصرة القارة، وينغرس في قلب الهدف، ولاية فلوريدا، حيث منزل استجمام الرئيس الأميركي. وصواريخ «سارمات» الطوّافة متعددة الرؤوس النووية، تحتضن الكرة الأرضية عبر القطبين الشمالي والجنوبي، قادرة على تدمير الولايات المتحدة بالكامل. وأشار بوتين إلى معلومات حول «سارمات» سرّبتها موسكو عام 2007: «لم يصغوا آنذاك لما نقول، وعليهم الآن الإصغاء».

هل خطاب بوتين خدعة لتبريد الرؤوس الساخنة في واشنطن، حيث تستمر التحقيقات في ما يُسمى «التدخل الروسي» في انتخابات الرئاسة الأميركية؟ أم لتسخين عواطف الروس الذين سيصوتون لانتخاب رئيس جديد قديم الأسبوع المقبل؟ أم لبث الحياة في «المعسكر الاشتراكي» الراحل؟

هذه الأسئلة تستدعي جواباً «بنيوياً»، حسب المصطلح الذي يردده بوتين. وأقدم حكمة «بنيوية» قالها الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي: «الكلمات محض أعذار، فالروابط الداخلية تشدّ شخصاً إلى آخر، وليس الكلمات». وهل غير الروابط الداخلية تفسر الزيارة الحافلة بالمشاريع والمشاعر إلى موسكو، قام بها زعيما هنغاريا وتشيكيا اللتان قادتا في تسعينيات القرن الماضي حملة تهديم المعسكر الاشتراكي؟

أتّطَلَع من النافذة إلى أشجاري، وأتذكر قول "الرومي":

لا تَحزَنْ، فكلّ ما تخسره يعود بشكل آخر.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,660,935

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"