«الخونة يموتون»: الإبادة كبرنامج انتخابي

في هذا العالم الذي يحكم فيه كل من دونالد ترمب في أميركا وفلاديمير بوتين في روسيا، يصبح التنبؤ بأفعال أكبر قوتين عسكريتين في العالم صعباً، فهناك اختلاط كبير بين الشخصيّ والعامّ، واختلال في معايير السياسة، واستسهال للأحكام القاطعة والقرارات الخاطئة، بحيث لا يعود سهلاً تحليل الوقائع وتفسيرها.


وتشكّل حادثة التسميم الكيميائي للجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته في مدينة سالزبري البريطانية في الرابع من الشهر الجاري، والتداعيات الكثيرة التي نجمت عنها، واحدة من هذه الوقائع العجيبة، فسكريبال كان عمليّاً في قبضة السلطات الروسية بعد انكشاف تعامله مع المخابرات البريطانية، وقد قامت قبل سنوات بإطلاق سراحه في صفقة تبادل جواسيس عام 2010، وهكذا تحوّل الجاسوس الخطير سابقا إلى شخص بسيط لا يمثّل خطرا على أحد ويقيم في مدينة إنكليزية صغيرة، وبالتالي لم يعد هناك مبرر لمحاولة اغتياله بهذه الطريقة التي تشير بوضوح إلى أنها عملية استخباراتية معقّدة باستخدام عنصر كيميائي خاص قام الجيش الروسي بتطويره، والهجوم عليه بهذه الطريقة هو خرق عمليّ لاتفاق إطلاق سراح الجواسيس من الجهتين، يفترض ألا تقوم به سلطات وأجهزة أمن تحترم اتفاقاتها مع الآخرين.
تذكر الحادثة المذكورة بعملية اغتيال جاسوس روسي آخر في لندن بمادة البولونيوم المشعة قبل عامين وتسببت حينها بأزمة دبلوماسية بين البلدين، كما أنها توثّق نمطاً اعتيادياً في عمليات الاغتيال التي تنفذها المخابرات الروسية والتي عادة ما تلجأ فيها للمواد الكيميائية السامة والمشعة.
مثير للاهتمام أن يعلّق أحد عملاء المخابرات الروسية، وأحد المشتبهين بقتل ليتفينكو، حول محاولة الاغتيال الأخيرة بالقول إنه «بسبب الانتخابات الرئاسية (في روسيا)، وعملياتنا في سوريا، قد يتم تحويل وضع سكريبال إلى استفزاز معاد لروسيا»، فهذا التصريح يقدّم، عمليّاً، كشفاً لكيفية التفكير التي تسيطر على إدارة بوتين، وأجهزته الأمنية، والتي تساعد في تفسير الحدث.
ففي سوريا أيضاً، لا يكف النظام، ورعاته الروس، عن ارتكاب المجازر، ونقض الاتفاقيات، واستخدام السلاح الكيميائي ضد الشعب السوري (آخر تقارير الأمم المتحدة وثّقت استخدامه السلاح الكيميائي في تموز/يوليو وتشرين الثاني/نوفمبر الماضيين)، وهنا أيضاً يختلط الشخصي بالعامّ، فبوتين والأسد استلما السلطة في العام نفسه (2000، بفارق أقل من شهرين بينهما)، ويتكفّل بوتين بحماية الأسد المنهمك بإنهاء كل معنى للشرعية الداخلية أو الخارجية، وبتدمير كل مقوّمات الحياة لشعبه وبلاده.
هذه العقلية تشرح، ربما، محاولة اغتيال جاسوس روسيّ سابق باعتبارها إنجازا لبوتين في سياق الانتخابات الرئاسية الروسية، ويفيد في تفسيرها شريط لبوتين تداولته وسائل الإعلام يعود لعام 2010 يقول فيه للجمهور إن «الخونة سيموتون».
يعود تقليد الاغتيالات في روسيا إلى وقت طويل، واستخدامه كمثال للإرهاب يعيد للذاكرة أحداثا كثيرة، منها أن عقيدا في الاستخبارات يدعى بينكوفسكي، قدم معلومات للغرب عن ترسانة السوفييت، وأشاعت المخابرات أن إعدامه تم بإحراقه عام 1962 حيا في فرن، وتم إبلاغ المجندين الجدد بذلك.
القتل هنا، في ذهن الرئيس ودولته الأمنية، هو مثال يُضرب للخونة بحيث يمتنع غيرهم عن تكرار الخيانة، وفي سياق الانتخابات، هو إنجاز يضاف لإنجازات بوتين في سوريا وأوكرانيا والشيشان وجورجيا وصربيا وأفغانستان.
الإبادة، والاغتيالات وحماية الطغاة، بهذا المعنى، هي جزء من برنامج بوتين الانتخابي، ولا يكفي التذكير هنا بأن الانتخابات كلها لا معنى لها وأن بوتين يعرف أنه فائز بها، لكفه عن إجراء هذا الاستعراض المخيف لأجهزته الأمنية، وللعواقب الاقتصادية والسياسية التي يدفع الروس ثمنها من وراء هذه الأفعال.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :110,203,858

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"