خرائط الغضب في مصر

محمد سيف الدولة

تناولنا في مقال سابق بعنوان "انتخابات بالاكراه"، حزمة السياسات التي أدت الى تأميم الحياة السياسية والانفراد بالسلطة الى ما شاء الله، واليوم سنتناول جانباً آخر من المشهد: سنلجأ فيه الى ابسط قواعد المنطق والتحليل الموضوعي، لعمل حصر بالمتضررين من حكم السيد عبدالفتاح السيسي والرافضين، لأسباب وطنية أو طبقية واقتصادية أو دستورية أو حقوقية، للكثير من سياساته وقراراته على امتداد السنوات الأربع الماضية، والذين يشكلون معا ما يمكن ان نطلق عليه خرائط الغضب في مصر:

 

1) عشرات الملايين من الفقراء الذين ازدادوا فقرا بعد قراراته الاقتصادية بتنفيذ تعليمات وروشتات صندوق النقد الدولي بتعويم الجنيه وتخفيض قيمته الى أكثر من النصف مع الغاء الدعم ورفع الاسعار.

2)  ومعهم بالطبع عشرات الملايين الأخرى من الطبقات المتوسطة الذين تدهورت مستويات معيشتهم وانكمشت مدخراتهم لأكثر من النصف تقريبا لذات الاسباب، وانتقل العديد منهم الى مرتبة الفقراء.

3)  غالبية الملايين الذين شاركوا في ثورة يناير، ثم رأوا السيسي ونظامه يعاديها ويجهضها ويقضي على مكتسباتها ويصادر حرياتها ويطارد كل من شارك فيها ويكمم أفواههم.

4)  غالبية الملايين الذين ذاقوا طعم الحرية والانتخابات الحقيقية النزيهة لأول مرة في حياتهم، ووقفوا بالساعات في طوابير الاقتراع بعد ثورة يناير، ثم شاهدوا ما آلت اليه الأمور اليوم، من العودة الى عصور الـ 99 %.

5)   كل المؤمنين بالحق في التظاهر بعد أن تم حظره وتجريمه. وكذلك غالبية الملايين الذين افترشوا ميدان التحرير وباقي شوارع وميادين مصر، بعد أن أُغلقت امامهم وحرمت عليهم.

6)   ملايين المصريين الوطنيين الذين رفضوا التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير المصريتين للسعودية، والسير في ركابها.

7)   كل من يرفض اخلاء الحدود الدولية وشمال سيناء وتهجير سكانها، لإقامة المنطقة العازلة التي كانت (اسرائيل) تطلبها منذ سنوات طويلة وكان مبارك يرفضها، وعلى رأسهم بالطبع أهالي شمال سيناء الذين تم تهجيرهم من مساكنهم لإقامة هذه المنطقة.

8)  كل من يحرص على احترام الدستور والقانون وعلى قيم العدل والفصل بين السلطات، والرقابة القضائية والبرلمانية على السلطة التنفيذية، الذين تأذوا بشدة مما يروه من انتهاك يومي لمواد الدستور وتجميد لأحكامه ونصوصه، وما يشاهدوه من الضرب عرض الحائط بأحكام المحكمة الادارية العليا ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.

9)  كل الذين كانوا يحلمون ببرلمان حقيقي يعبر عن جموع المصريين ويحمي مصالحهم ويحافظ على حرياتهم وحقوقهم في مواجهة تغوّل السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية.

10)  وكذلك كل الرافضين لهيمنته على السلطة القضائية وتسييس احكام القضاء وأحكام الادانة والاعدام بالجملة والحبس الاحتياطي الى ما شاء الله بالمخالفة لأحكام القانون. وعلى رأسهم غالبية القضاة، الذين يتألمون في صمت من تدخل السلطة التنفيذية في شؤونهم والضغط عليهم وتجريدهم من حقهم في اختيار رؤساء هيئاتهم ليتم تعيينهم بقرارات يصدرها رئيس الجمهورية.

11)  ملايين من طلبة الجامعات الذين حُرم عليهم العمل السياسى، لتعود الجامعة لتكون سجنا كبيرا تحت ادارة ورقابة وهيمنة الاجهزة الامنية، ومعهم آلاف الاساتذة والعاملين في هيئات التدريس الذين إُنتزع منهم حقهم في انتخاب عمداء كلياتهم ورؤساء جامعاتهم التي عادت مرة أخرى لتكون بالتعيين.

12) كل الاقتصاديين الوطنيين الذين يرفضون إغراق مصر في الماكينات الجهنمية للقروض والديون الخارجية وفوائدها، مما يفقد مصر ما تبقى من استقلالها ويثقل كاهل الاجيال الحالية والقادمة بأعباء لا قبل لهم بها.

13) وكذلك كل رجال الاعمال الذين يعانون من اقتحامه لقطاعات الانتاج والأعمال ومنافستهم في ارزاقهم ومجال أنشطتهم والاستحواذ والاحتكار والسيطرة على الاسواق المصرية، لأهداف ربحية رأسمالية بحتة وليس من منظور الاشراف والتنظيم والحراسة وفقا لدور الدولة في النموذج الرأسمالي، أو حتى من منظور الادارة والتخطيط وفقا لنموذج التنمية الاشتراكي.

14)  كل المفكرين والشخصيات العامة المستقلة التي نأت بنفسها طول عمرها عن مهادنة أي سلطة ونفاق أي رئيس، الذين يشاهدون اليوم اعادة الانتاج الفجة لأنظمة الفرعون والزعيم الأوحد.

15) كل المثقفين الذين يتأذون بعد كل خطاب او كلمة يلقيها، من مستوى الافكار وتهافت المنطق وضعف اللغة وفقر المفردات وكارثية الارتجالات.

16)  كل من يعلم قيمة مصر وقدرها، الذين تأذت كرامتهم الوطنية بشدة حين سمعوا الكلمات المهينة لمكانة مصر في تصريحاته مع الرئيس الأميركي او الرئيس الفرنسى. وكل من شاهد صورته وهو يقف مع الواقفين خلف الرئيس الاميركي الجالس وحده، وكأنه واحدا من حاشية البيت الابيض.

17)  كل من يدرك مكانة مصر وريادتها العربية، حين شاهد فضيحة سحب بعثتها الدبلوماسية لقرار ادانة المستوطنات الصهيونية من مجلس الامن بناء على تعليمات السيسي بعد مكالمة تليفونية مع دونالد ترمب. وكذلك كل الذين امتعضوا من خطابه الأخير في الأمم المتحدة، حين أشاد ببنيامين نتنياهو بأنه رجل سلام، بينما شوه الفلسطينيين وطالبهم بإثبات مصداقيتهم في الرغبة في السلام وكأنهم هم الجناة وليسوا الضحايا. وكذلك كل من يكره (اسرائيل) ويحب فلسطين، ويرفض التنسيق والتحالف المصري (الاسرائيلي) ويرفض لقاءاته السرية مع نتنياهو. وكذلك كل الذين شاركوا في اغلاق مقر السفارة (الاسرائيلية) في 9/9/2011، بعد أن رأوا السيسي يعيد فتحها في ذات يوم اغلاقها في 9/9/2015، في مكايدة مصرية رسمية مع (اسرائيل) ضد ثورة مصر وشبابها.

18) كل الغاضبين من قرار ترمب بأن القدس عاصمة لـ(اسرائيل)، الذين يشكون في وجود تواطؤ رسمي مصري مع الادارة الاميركية لتمرير هذا القرار وامتصاص وتصفية الغضب الشعبى العربي في مواجهته.

19) كل المؤمنين بقيم المساواة والتواضع وهم يشاهدونه يتفاخر بنفسه وبعبقريته وبفلسفته وتميزه عن باقي خلق الله، وكذلك كل المحبين للصدق والصادقين، حين يسمعونه يعيد ويكرر ادعاءات لا تمت للحقيقة بصلة.

20) وعلى المستوى السياسي، غالبية عناصر التيار الليبرالي وكل الأحرار المؤمنين والمدافعين عن حقوق الانسان وحرياته بعد ان شاهدوا العدوان اليومى عليها.

21)  غالبية عناصر التيار الاشتراكي وكل المدافعين عن حقوق الفقراء والمطالبين بالعدالة الاجتماعية بعد ان شاهدوا الاستسلام الكامل لشروط الرأسمالية العالمية وممثليها من صندوق النقد والبنك الدوليين وتنفيذ اجندتهم الاقتصادية المدمرة في مصر، كما شاهدوا الانحياز المطلق الى الطبقات الاكثر غنى في مصر من خلال الاستثمار في مشروعات مثل العاصمة الجديدة.

22)  غالبية عناصر التيار القومي وكل الوطنيين بعد ان شاهدوا عمق العلاقات بينه وبين (اسرائيل) ونتنياهو ومشاركته في حصار غزة ومباركته لصفقة القرن التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية ومبايعته على بياض للرئيس الاميركى العنصرى دونالد ترمب.

23) غالبية عناصر التيار الاسلامي الذين يشاهدون محاولاته الحثيثة لاجتثاثهم من الحياة السياسية تماما، بالحظر والاعتقال واحكام المؤبد والاعدام بالجملة.

24) غالبية جبهة 30 يونيو من القوى والشخصيات التي شاركت في ثورة يناير، بعد أن غدر بهم، وقام بإقصائهم وحصارهم وتشويهم ومطاردة واعتقال شبابهم.

25) مئات الآلاف من عائلات وأصدقاء وزملاء وجيران المعتقلين وضحايا قمع المظاهرات التي بلغت اعدادهم عشرات الآلاف.

26) كل الكارهين لأعمال البلطجة والدولة البوليسية، حين يشاهدون هجمات البلطجية و"المواطنين الشرفاء" والاعتداءات الاجرامية على شباب الثورة ورموزها كما حدث لشيماء الصباغ وهشام جنينية وغيرهم الكثير.

27) كل المفكرين والمتخصصين والوطنيين والخبراء الحقيقيين، حين يتم حظرهم من الكتابة الصحفية والظهور الاعلامى ومخاطبة الرأي العام المصري وتنويره، لحساب حزمة من أردأ وأجهل العناصر الاعلامية الأمنية. وكذلك كل الذين يحترمون عقولهم، حين يرون مدى التدني والابتذال في خطاب الدولة الاعلامي والسياسي الموحد والموجه.

28) كل الرافضين لتوظيف مؤسسات الدولة الدينية وقياداتها في الازهر ووزارة الأوقاف ودار الافتاء وفي الكنيسة للترويج للسيسي ونظامه.

29) كل الكارهين للإرهاب والإرهابيين، الذين يرون كيف يصنع السيسي بسياساته واستبداده وإجراءاته القمعية حاضنة شعبية للإرهاب.

30) كل الرافضين للعنصرية الغربية التي تعادى الاسلام والمسلمين حين يرونه يردد مقولاتهم العنصرية ويتبنى خطابهم ويتهم 1.7 مليار مسلم بالارهاب علناً في أحد خطبه بمناسبة المولد النبوى الشريف، ويُلحق مصر بالأحلاف الامريكية الاستعمارية الجديدة تحت ذريعة مكافحة الارهاب.

***

اذا كان ذلك كذلك، فمن اذن كل هؤلاء القوم الذين نشاهدهم كل يوم في البرلمان وفي الصحف والفضائيات، وفي مؤتمراته التي لا تنتهي، ومن اين جاءت كل هذه التفويضات التي تقدر بعشرات الالاف؟!

انهم ببساطة كبار رجال الدولة والعاملون بها وقيادات الاجهزة الامنية وعناصرها ومخبريها وشبكات المصالح المرتبطة بهم، بالإضافة بالطبع الى كل الموظفين الخائفين من إغضاب السلطة أو السائرين في ركابها طمعا في عطية او اتقاء لشرها.

هؤلاء موجودون في كل عصر وفي كل نظام، يدينون بالولاء لكل من يعتلي الكرسي، فإن ذهب، غيروا ولاءهم للوافد الجديد فورا، وتسابقوا وتصارعوا على الفوز برضاه وعطاياه.

هؤلاء ليسوا الا قلة قليلة لا تجد لها أثراً حين تنتفض الشعوب وتثور، حينها يهرولون الى الجحور، أتتذكرون الحزب الوطني الديمقراطي؟!


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :107,101,131

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"