هل النخبة العالمية مجنونة؟

محمد عارف

«ليست النخبة العالمية الحاكمة وحدها مجنونة، بل جميع الشخصيات السياسية، ورجال الأعمال، والأكاديميين، والصحفيين، والقضاة، والمحامين، والبيروقراطيين.. الذين يخدمون النخبة، وضمنهم مجانين لا يفضحونها ولا يقاومونها». هكذا يستهلُ الباحث الأسترالي «روبرت بوروز» مقاله «جنون النخبة العالمية»، وفيه يورد أسماء أبرز شخصيات النخبة العالمية، أصحاب مليارات يُقّدر حجم موجوداتهم المالية الخفية بـ32 تريليون دولار، بينهم «روتشيلد»، و«بيل غيتس»، وأكبر شركات الصناعات العالمية، مثل «لوكهيد» و«بوينغ»، ومصارف مثل «المجموعة المالية للمصرف الأميركي»، و«بنك الإعمار» الصيني، وشركات الطاقة مثل «الفحم الهندية»، و«إكسون موبيل». ويدعو «بوروز» المعروف بمؤلفاته ضد العنف، إلى «تطوير واستخدام استراتيجية فعالة لمقاومة عنف النخبة، واستغلالها، والحيلولة دون تحقيق رغباتها المجنونة بالامتيازات الشخصية، والربح، والسيطرة السياسية، مهما كلّفَ ذلك الحياة البشرية وغير البشرية على حد سواء، حيث يموت جوعاً 100 ألف إنسان يومياً، ويفنى 200 نوع حي».

وفي الأسبوع الماضي كان «البيت الأبيض» الأميركي المدخل إلى النخبة العالمية المجنونة؛ فمساعدو الرئيس «يكابدون لإنجاز مهمتهم في توقع أمزجة الرئيس، وللتصرف وفقها فورياً» حسب «نيويورك تايمز» التي أوردت حديث الموظفين عن الافتقار إلى استراتيجية كبرى لتصرفات الرئيس الذي «يبدأ عمله كل صباح، كما كان يفعل عندما كان رجل أعمال، دون معرفة ما سيفعله.

يشاهد التلفزيون، وينفعل بما يشاهد، ويتصرف وفق انفعاله». ومع نهاية الأسبوع استشاط «ترامب» غضباً على امتناع «الكونغرس» عن المصادقة على مشروع بناء جدار على الحدود مع المكسيك، وأعلن في «تغريدة» أنه لن يصادق على موازنة الحكومة، وتراجع في «تغريدة» لاحقة عن قراره الذي يهدد بوقف عمل مؤسسات الدولة. وغادر إلى منتجعه في «بالم بيتش» بعد أن قرّر إقالة مستشاره للأمن القومي الجنرال «ماكماستر»، وقبلها أقالَ «تيلرسون» وزير الخارجية، وسبقتها سلسلة إقالات، شملت مخطِّطه الاستراتيجي «بانون»، و«كومي» مدير «أف بي آي»، و«بريبوس» رئيس موظفي «البيت الأبيض»

 

وبعد يومين من تهنئته الرئيس الروسي بفوزه، أمر بإبعاد 60 دبلوماسياً روسياً، إلا أنه لم يتبع الفعل بالكلام لرغبته بالحفاظ على علاقة إيجابية بروسيا، حسب المتحدث بلسان «البيت الأبيض». وحذت حذوه دول الاتحاد الأوروبي التي كان زعماؤها قد هنؤوا بوتين، فأبعد بعضهم دبلوماسيين روساً، مع الحفاظ على علاقات إيجابية بروسيا، عبّرت عنها ألمانيا التي أعلن وزير خارجيتها أن القرار «لا يصدر عن عدم احترام لروسيا». وامتنعت دول أوروبية عن إبعاد دبلوماسيين روس، بينها اليونان وقبرص وبلغاريا، كذلك امتنعت «النمسا» إذ فاز في انتخاباتها الأخيرة اليمين الذي يسعى لسياسة مستقلة عن أوروبا.

وجنون النخبة العالمية من جنون زمانها، والذي لا تراه إلاّ وهو يتغير. لقد انقلبت دول النخبة الغربية ضد «العولمة» وباتت تهاجمها بعد أن لم تعد هناك عولمة، بالمعنى القديم، بل أصبحت أمراً واقعاً تمثله الطبقة المتوسطة التي قفزت نسبتها من نحو ربع سكان العالم إلى ما يقرب من النصف، واندمج مليارات الناس باقتصاد العولمة خلال العقود الثلاثة الماضية، واغتنوا بما يكفي ليصبحوا مستهلكين للسلع والخدمات المتقدمة، حسب الباحث الاقتصادي الأميركي «نيل إرون» مؤلف كتاب «3 بنوك وعالم يحترق»، الذي ينعى على الدول الغربية تلكؤها في الحملة ضد العولمة، حتى قضت على فرص عمل طبقتها العاملة، وتحاول الآن الاستجابة لطبقة متوسطة عالمية في طور التكون. و«الحديث عن العولمة كعملية متصلة أمر مُغر، لكنّ ذلك لم يحدث في التاريخ. فالعولمة تتحرك على شكل قفزات وبدايات، وانكفاءات أحياناً». وفي ظروف كهذه يصبح «الجنون عبقرية»، و«الأفضل أن تكون أحمق تماماً على أن تكون مضجراً تماماً». تقول ذلك كوكب الإغراء «مارلين مونرو»، وأنا أصدقها.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :107,286,432

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"