ميثاق الشرف الانتخابي في العراق!‏

جاسم الشمري

حدثني نائب عراقي سابق– ومرشح حالياً لمجلس النواب- قبل أسبوعين تقريباً أن ‏المال السياسي هو الفيصل في الانتخابات العراقية السابقة والمقبلة، وصناديق ‏الانتخابات مجرد ديكور مضاف لإكمال سيناريو الديمقراطية في البلد.‏

 

ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية في العراق في 12 من شهر أيار المقبل، بدأ الحديث ‏هنا وهناك عن احتمالات كبيرة لتزوير الانتخابات تماماً كما حصل في الانتخابات ‏الماضية، وهذه القضية صارت من المسلمات لدى الناخب العراقي ولهذا– ربما– ‏سعت بعض القوى الفاعلة في الساحة السياسية العراقية لتزيين التزوير، أو لإيهام ‏الناخب أنهم حريصون على الشفافية ونزاهة الانتخابات.‏

وقبل يومين، تم التوقيع على ميثاق الشرف الانتخابي، والذي وقع عليه قادة الكتل ‏والقوى السياسية برعاية الأمم المتحدة، وتضمنت مسودة الميثاق (24) بنداً تحكم ‏خلالها الانتخابات التشريعية المقبلة.‏

ومن أهم بنود ميثاق الشرف الانتخابي: " الإيمان باحترام وتعزيز حقوق الجميع ‏الديمقراطية في التنافس الشريف والحر، وتكافؤ الفرص لجميع المرشحين وأعضاء ‏الأحزاب السياسية المتنافسة، وإدانة أي خطاب طائفي أو عرقي، والعمل على تبني ‏الخطاب المعتدل بعيداً من التشنج والحقن الطائفي وتعزيز التسامح، ورفض العنف ‏بكل أشكاله والتصدي لأي ظاهرة أو ممارسة تهدف إلى تمزق وحدة الصف والوحدة ‏الوطنية، والعمل بروح الفريق الواحد والتزام القوانين النافدة للتصدي لأي ظاهرة تؤثر ‏على سلامة العملية الانتخابية، والابتعاد عن أساليب التسقيط والتشهير والتجريح، ‏وعدم توظيف النزعة الطائفية أو العرقية أو الإثنية، والتأكيد على حرية التنافس ‏والحوار على أساس البرامج الانتخابية، وعدم التورط بعمليات تزوير أو تشجيع عليها ‏أو ترويجها عبر الوسائل المختلفة، واحترام صوت الناخب كحق مقدس وعدم إهماله ‏أو السطو عليه من خلال التأثير على المراقبين والعاملين في مراكز الانتخابات، وعدم ‏التدخل في أنشطة ومهام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات مع دعم الجهود الدولية ‏لمراقبة العملية الانتخابية، والالتزام بمبدأ التداول السلمي للسلطة والممارسة ‏الديمقراطية والقبول بنتائج الانتخابات بعد إقرارها رسمياً".‏

وجميع هذه المثالب الخُلقية والسياسية مورست في انتخابات الأعوام الماضية، ومن ‏المتوقع أنها ستحصل في الانتخابات المرتقبة، وفي تأكيد لعدم جدية الأطراف الفاعلة ‏في تنفيذ هذا الميثاق، طالب النائب عن دولة القانون محمد العكيلي – وبعد يوم واحد من ‏توقيع الميثاق- " مفوضية الانتخابات بتفعيل مبدأ العقوبة لمن يخرق ضوابط وقواعد ‏الانتخابات، لإعطاء رسالة إلى الموقعين على "الميثاق الشرف الانتخابي" بأن ‏المفوضية جادة في عملها، واليوم هناك خروقات من قبل مرشحين وكتل بنشر ‏الصور والدعايات المبكرة مع التلاعب بالكلمات في سبيل البدء بحملة إعلامية ‏انتخابية قبل الموعد المحدد، وقد شخصنا تهاوناً من قبل الفرق التابعة للمفوضية"!‏

المشكلة في عموم الانتخابات العراقية ليست في المواطن وإنما في غالبية الشخصيات ‏المرشحة لهذه العملية الحساسة في البلاد ذلك لأن غالبيتهم ينظرون للأمر على أنه ‏مغنم ومكسب وليس مجرد وسيلة لتقديم الأفضل للمواطنين ولهذا نرى هذا التنافس ‏غير النزيه بين المرشحين في عموم البلاد، والسعي للحصول على المقعد البرلمان ‏بالسبل المشروعة وغير المشروعة.‏

وسؤالنا هنا: هل هذه الوثيقة تأكيد على أن الخلل في منْ يطمحون للوصول إلى قبة ‏البرلمان بدليل أنهم يريدون أن يتفقوا بينهم على عدم التزوير وعدم التدخل في ‏مفوضية الانتخابات، أم أنهم متفقون فيما بينهم على آلية ما تضمن للحيتان الكبيرة ‏الاستمرار في التحكم بالمشهد السياسي، وهذه الوثيقة والتصريحات الإعلامية مجرد ‏رسائل تخديرية للجماهير، لا أكثر ولا أقل؟

وثيقة الشرف الانتخابي لم تتحدث عن جملة من القضايا الدقيقة ومنها المال السياسي ‏الداعم للكثير من المرشحين سواء أكانوا أعضاء في تكتلات أم مستقلين، وأيضاً لم ‏تتطرق لقضية استغلال المال العام للانتخابات أو الدعاية الانتخابية وغيرها من ‏الجوانب التي ربما اتفقوا بينهم على أن تكون لهم جميعاً وعدم التطرق لها في الميثاق، ‏وفقاً لقاعدة التوافقات المعمول بها منذ العام 2003!‏

الكلام المنمق المذكور في الوثيقة لا يعنينا بشيء لأن الموقعين - قبل غيرهم- يعلمون ‏أن تلك الوعود أو المبادئ لن تُحترم، والذي يعنينا هنا الجزئية المتعلقة بالانتخابات ‏القادمة، فإذا كانت الكتل الكبيرة، قد وقعت على هذا الميثاق، فمن الذي زور ‏الانتخابات السابقة، وكل من شارك في العملية السياسية أو اقترب منها يؤكدون أن ‏التزوير جرى على قدم وساق في التجارب الانتخابية السابقة في الأعوام 2005، ‏‏2010، 2014، ولهذا لا نظن أن من وصل إلى البرلمان بالتزوير يمكن أن يصل ‏إليه غداً بالسبل الصحيحة دون التقرب من اللجان الرقابية، أو مفوضية الانتخابات ‏لإغرائهم من اجل الوصول ثانية للبرلمان؟

القضية ليست في ميثاق وطني يوقع ويظهر للإعلام، وإنما المشكلة هي في أداء ‏غالبية الشخوص الذين يمثلون العملية السياسية، وهم من أهم أسباب تعقيد المشكلة ‏العراقية، وهم – بسياساتهم الطائفية والانتقامية والعشوائية وغير العشوائية- نقلوا ‏البلاد لهذه المراحل المؤلمة من التخلف والخراب والضياع، واليوم هم أنفسهم من ‏وقعوا هذا الميثاق، فهل نتوقع أن ينقلبوا إلى شخصيات ايجابية ووطنية بين ليلة ‏وضحاها؟!

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,823,498

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"