بورصات خاصة بالعراقيين فقط!‏

جاسم الشمري

يوجد في العراق الكثير من الأسواق القديمة جداً، والعريقة والممتعة، وبعض هذه ‏الأسواق موسمية أو أسبوعية وبعضها دائمة، ومن أهم هذه الأسواق: الشورجة، ‏والسنك، والغزل، والجمعة، وهنالك أسواق خاصة بالأقمشة والعطور والكتب والذهب ‏والأحجار الثمينة والمسابح، والصيرفة، وغير ذلك من الأسواق التي تلبي حاجيات ‏الناس ومتطلباتهم، وهذا أمر طبيعي في النظام التجاري الإنساني.‏

 

من الطبيعي أن تكون هنالك أسواق للبضائع الثمينة والرخيصة، لأن الأصل في ‏التجارة أنها للبضائع وهذا أمر طبيعي وموجود في كافة دول العالم، أما أن تكون ‏هنالك بورصة للمواقف، أو بعبارة أدق بورصة لشراء الأصوات الانتخابية فهذا ما لم ‏يكن إلا في العراق في ظل المرحلة الديمقراطية التي ظهرت بعد العام 2003! ‏

بورصة شراء الأصوات الانتخابية أو البطاقات الانتخابية من الأسواق المتنامية في ‏عموم المدن العراقية، وبالذات تلك التي ينتشر فيها الفقر والعوز، ظهرت منذ المراحل ‏الأولى للانتخابات التي جرت بوجود الاحتلال الأمريكي في العراق، لكنها برزت ‏بصورة واضحة في الانتخابات البرلمانية السابقة في العام 2014، وبدأت تظهر ‏مجدداً هذه الأيام مع قرب الانتخابات البرلمانية في 12 أيار المقبل.‏

الغاية من سوق البورصة الانتخابية شراء أكبر عدد ممكن من البطاقات الانتخابية، ‏لضمان العدد الكافي للحصول على المقعد البرلماني, وتتفاوت أسعار شراء البطاقة ‏الانتخابية ما بين 10 دولارات إلى 2000 دولار، فهنالك الفقراء الذين يرضون بأقل ‏المبالغ، وهنالك "المثقفون" وهؤلاء أصواتهم أغلى وتتراوح ما بين 1000 إلى 2000 ‏دولار أمريكي.‏

ظاهرة بيع البطاقات الانتخابية ليست جديدة، بل هي قضية ثابتة في الانتخابات ‏البرلمانية السابقة، وسبق لمركز اتجاهات لمراقبة الانتخابات أن أكد في منتصف ‏مارس 2014، أن" نتائج الانتخابات العراقية تسرق مسبقاً، وأن سعر بيع البطاقة ‏الانتخابية ارتفع من 10 آلاف دينار إلى 30 ألفاً بالمحافظات، أي ما يعادل  24 ‏دولاراً، وفي بعض مناطق بغداد إلى 200 ألف دينار أي نحو  160 دولاراً، وأن ‏كتلاً سياسية اشترت نحو 10 آلاف بطاقة لكل مرشح تسعى لفوزه بالانتخابات".‏

واليوم تعود من جديد ظاهرة شراء الأصوات، أو الذمم من قبل بعض وكلاء الكتل ‏الكبيرة والشخصيات المستقلة وغير المستقلة، وهي مسألة لا يمكن نكرانها، وقد أكدها ‏بعض نواب محافظات ديالى والأنبار والموصل وغيرها، ومؤكدة باتصالات شخصية ‏مع بعض الوجهاء والشخصيات السياسية في بعض هذه المحافظات، ولذلك فهي ‏قضية ثابتة على الرغم من التصريحات الحكومية والقضائية" بعدم ثبوت قضية شراء ‏البطاقات الانتخابية، وأن القضاء سيكون له موقف حازم في حال ثبوت عمليات شراء ‏البطاقات الانتخابية".‏

وهنا سنذكر بعض الأدلة التي تؤكد هذه الظاهرة، في بداية الشهر الحالي أكد القيادي ‏في تحالف القوى، حسين الزبيدي، وجود" حملة لشراء بطاقات الناخبين في ديالى تتم ‏عبر نواب حاليين وسابقين، وأن الظاهرة بدأت تنتشر بسبب الأزمة المالية والضائقة ‏المعيشية التي يعيشها المواطن".‏

وفي منتصف هذا الشهر كشف عضو مجلس محافظة الانبار المستقيل راجع البركات" ‏أن المال الانتخابي المكتسب أصلاً من الفساد يستخدم لاستغلال حاجة المواطن ‏وصعوبة وضعه، وأن هذا المال يستغل لشراء بطاقة الناخب الانتخابية، وأن سعر ‏بطاقة الناخب في مدينة الرمادي وصل إلى (100) ألف دينار عراقي، – قرابة 100 ‏دولار- فيما بلغت في مدينة الفلوجة 50 ألف للبطاقة الواحدة".‏

وفي نهاية الأسبوع الماضي كشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان، عن" قيام بعض ‏الأحزاب السياسية في الانبار بشراء البطاقة الانتخابية للمواطنين مقابل مبلغ زهيد"!‏

فهل مع هذه التصريحات النيابية يمكن للحكومة وهيئة الانتخابات نكران جريمة بيع ‏البطاقات الانتخابية أو شراء ذمم الناخبين؟

هذه الأساليب المخجلة زرعت الخوف في الشارع العراقي من احتمالية كبيرة لمجيء ‏أربع سنوات جديدة مليئة بالرعب والخوف وانتشار السلاح غير الرسمي وتمييع ‏مفهوم الدولة في عموم البلاد!‏

الانتخابات على مر التاريخ الحديث من أعظم أدوات التغيير الديمقراطي على ‏الإطلاق، ومثال على مدى صدق الحكومات في التبادل السلمي للسلطة، والانتخابات ‏الوجه الآخر لمستوى وعي الحكومة وشفافيتها، وتمثل الصورة المثالية الطاردة ‏للعنف، والرافضة لما يرافق الانتخابات من تزوير ورشاوى وبيع للمواقف، وشراء ‏للذمم، فهل الانتخابات في العراق من هذا النوع؟

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,823,430

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"