كيف يفكر علماء السياسة الروس؟

محمد عارف

«علاقات روسيا والغرب تمُر بفترة هلوسة، والعالم تغيّر إلى حدّ أن الحرب الباردة المعتادة لا تتحقق عندنا، هكذا اختلط كل شيء وارتبك». ذكر ذلك «فيودور لوكيانوف»، رئيس «هيئة الشؤون الخارجية والدفاع»، واستعاد في بحث عنوانه «ليس كل شيء مضحكاً» إعلان الرئيس ترمب أنه لن يُهنئ الرئيس بوتين بالفوز في انتخابات الرئاسة، «وما أن بلغ ذلك الجميع حتى تحدث الرئيسان الأميركي والروسي عبر الهاتف عن الاستعداد للقمة المقبلة بينهما، ولقائهما المنتظر في البيت الأبيض». ومع أن الروس اتُهموا بالتدخل الإلكتروني في انتخابات الرئاسة الأميركية، فقد عرضوا اتفاقية عالمية لمكافحة جرائم «السايبر»، بإشراف الأمم المتحدة. وفي بحث عنوانه «التحدي» تناولت «يلينا تشيرننكو»، المختصة بشؤون أمن المعلومات، اتفاقية تعاون دولية للحد من مخاطر الجرائم والهجمات في «الفضاء السايبيري»، وذكرت أن «الوكالة الفيدرالية الروسية لخدمات الأمن» تتوقع أن تقفز كلفة جرائم «السايبر» التي تسبب حالياً خسارة 53 مليار دولار سنوياً، إلى 8 تريليونات دولار في غضون السنوات الخمس القادمة.

و«الحرب الباردة من جانب واحد» عنوان مقال «سيرجي كاراغانوف»، عميد معهد العلاقات الدولية والاقتصاد في موسكو، وفيها يعارض نظيره الأميركي «ريتشارد هاس» الذي يعتقد بنشوب الحرب الباردة الثانية. ومع تسليم «كاراغانوف» بأن الخلفية السيكولوجية للعلاقات الثنائية أسوأ مما كانت عليه خلال الحرب الباردة، فإن «ذلك لا يعني أن للتوترات الحالية عاقبة، فأمر كهذا يقتضي وجود مكوّن أيديولوجي، وهذا لا وجود له بالمرة لدى الجانب الروسي. وروسيا غير عازمة على شن حرب باردة جديدة، والدولة الروسية غير قائمة على أساس أيديولوجي». ويعتبرُ العالم الروسي «المشكلة القائمة ليست بين روسيا والغرب، بل هي بالأحرى بين الغربيين أنفسهم. وحتى لو استعادت النخب الأميركية سيطرتها، يبقى المنبع العميق للغضب الغربي، فالأزمة المالية عام 2008 اختتمت نهاية 500 عام من هيمنة الغرب، وكشفت ضعف رأسمالية القرن الحادي والعشرين».

 

وإذا لم يكن النزاع القائم بين روسيا والغرب يعني الحرب الباردة، فإنه أكثر تعقيداً، حسب «أندريه سوشنتسوف» رئيس «مختبر تحليل الاتجاهات الدولية» في «معهد موسكو للعلاقات الدولية»، ويتناول بحثه «لعبة الكرة» المشاركة الحالية بين روسيا والغرب في فضاء المواجهة المعلوماتية والاقتصادية والسياسية، «حيث العلاقات المتداخلة عظيمة، ولم تعد هناك مبارزة بين القوى العظمى، وأعداد أكبر من اللاعبين الرئيسيين في العملية الدولية، والحلفاء والخصوم يكونون غالباً انتهازيين، ومفتاح العملية الدولية هو المنافسة في المجالات الاستراتيجية: صناعة الطاقة، والاتصالات، والنقل، وتجهزات الأسلحة». ويقارن «سوشنتسوف» الوضع العالمي بمباراة كرة القدم، «حيث العواطف مهتاجة في ختام المباراة، وكلا الطرفين يسمح لنفسه بتسجيل مخالفات». ويصعب في تقديره «عقلنة المواجهة الحالية، فمن جانب لا يوجد فهم لطبيعة التغيرات، ويكفي ذكر ظواهر (ترمب)، و(بريكست)، و(الربيع العربي)». ويستبعد المشاركون في المواجهة احتمال قيام حرب كبيرة، وبسبب ذلك «يسمحون لأنفسهم بالانخراط في سياسات حافة الهاوية. ولديهم تأويلات مختلفة للأفق التاريخي، ولا يدركون إلى أين بالضبط يتحرك التاريخ، ويتحدث الغرب وروسيا بلغة مختلفة، ويستخدمان مصطلحات مختلفة للمفاهيم نفسها. وفي ظروف كهذه لم تخفق الدبلوماسية وحدها، ولا الخبرات السياسية وحدها، بل حتى أجهزة الاستخبارات تخفق في العمل بشكل يلائم هذه الظروف».

وكاللقاء بصديق قديم أبتهجُ عندما أرى تغير أداء العلماء الروس الحاليين ممن درستُ عليهم في «أكاديمية العلوم السوفييتية» نهاية القرن الماضي، وأجد الإحاطة العلمية كما كانت سابقاً بدون حدود، لكن الجرأة أكبر في استخدامها. ورغم انهيار النظام الذي أسسه زعيم الثورة الروسية «لينين» قبل مائة عام، يبدو أن حلمه يتحقق: «أعطني 4 أعوام لأعلّم الأطفال، والبذور التي سأبذرها لن تُجتَثّ أبداً».

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,434,226

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"