لا تُراهنوا فالضربة الجوية ليست ثأرا للسوريين

د. مثنى عبدالله

عاد التحالف الغربي لينبش بقذائفه الرائعة واللطيفة والذكية والجميلة، حسب وصف ترمب، أرضا عربية أخرى. فالمسرحية تم عرضها في العراق وليبيا والصومال واليمن وسوريا، وما عامة الناس على هذه الأرض سوى وسيلة يُتاجر بها هذا التحالف لتحقيق مصالحه، ويستخدم المأساة التي يعانونها في عقد صفقاته مع اللاعبين الآخرين على الساحة الدولية. 

وفي كل مرة ينقسم العرب بين موالاة ومعارضة للضربات الغربية على بلادنا، ليس على صعيد الأنظمة وحسب، بل على صعيد العامة أيضا. فالمعارضات في الخارج تخرج رافعة علم بلادها، مبتهجة ومهللة بالضربة الجوية، والموالاة في الداخل تخرج بالمشهد نفسه مهللة للحاكم. في حين أن كلا الموقفين مجرد رد فعل سلبي لا حول له ولا قوة على أرض الواقع. فقد أثبتت أغلب المعارضات الخارجية بأنها مجرد دُمى في أيدي المخابرات الدولية والإقليمية والعربية. تستخدمها لتنفيذ مصالحها، ومتى ما اتفقت مع الطرف الآخر ألقت بها لتلاقي مصيرها وحدها، وحتى إن وصلت إلى السلطة فإنها تنظر إلى كل من في الداخل على أنه كان مع النظام، فتشرع بالاجتثاث والتهميش، والإقصاء والاعتقال والقتل، والسرقات والفساد، والعراق وليبيا أنموذجان واضحان على ما نقول. والموالاة الداخلية مجرد كومبارس يُصفق ويُهلل للزعيم، ثم يتخلى عنه في أول تحد كبير، وهذه ظاهرة خطيرة تستحق الدراسة والتحليل من المختصين. 
فما النصر الذي حققه دمية الروس والايرانيين في دمشق، كي تخرج الموالاة رافعة صوره ومستبشرة؟ وما الثمن الذي دفعه جراء الضربة الجوية كي تخرج المعارضة مهللة؟
يقينا ليس من قيمة إنسانية في عقلية الأمريكان والغرب، لكل المعاناة التي مازال يعانيها شعبنا في سوريا، ولو كانوا حقا يشعرون بذلك لما طالت الحرب كل هذه السنين، ولما هُجّر الملايين وقتل مئات الآلاف منهم. وإن ما حصل مؤخرا من ضربة جوية، فإن دوافعها وحساباتها كانت تماما خارج هذا الإطار. لقد تحالفت الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وفرنسا في القيام بذلك، ولكل واحدة من هذه القوى أجندة وأهداف تختلف عن الاخرى، على الرغم مما يبدو أنه قرار سياسي واحد. فالرئيس الفرنسي مانويل ماكرون يصارع من أجل الزعامة السياسية في أوروبا، وعودة فرنسا بتأثيراتها السياسية والثقافية إلى الشرق الاوسط، الذي يُعتبر في المسلمات الفرنسية قوس الازمات، الذي تأتي منه الهجرة غير الشرعية وما يسمى الارهاب. لكن ما يُكبّل يديه هو الازمة المالية التي تعانيها فرنسا، حتى بات يستخدم الجيش الفرنسي في مهمات خارجية من أجل المال، وهو فعل يرتقي إلى الافعال التي يقوم بها المرتزقة. ولان الخزائن العربية باتت اليوم مفتوحة أكثر من أي وقت مضى، فلمَ لا يغرف منها بحجة الضربة على سوريا؟ 
تجدر الاشارة هنا إلى أن الرئيس ماكرون كان قد قال في وقت سابق، بأنه ليس لدى فرنسا مشكلة مع بشار الاسد، وأن مشكلته مع شعبه. لكنه مجبر هذه المرة على القيام بعمليات وقائية في سوريا، لانها ضمن قوس الازمات في الاستراتيجية الفرنسية.
أما المملكة المتحدة، فالوضع السياسي فيها يستدعي وجود هدف خارجي يجري تركيز النظر اليه بعيدا عن المشاكل والازمات الداخلية. فرئيسة الوزراء تيريزا ماي تعاني من مشاكل كبرى داخل حزبها، ومن ضغوطات من قبل الرأي العام، نتيجة مفاوضات الخروج من الاتحاد الاوروبي. كما لا يمكن فصل قضية تسميم الجاسوس الروسي المزدوج وابنته في المملكة المتحدة، عن الحماسة البريطانية للمشاركة في الضربة الجوية، فقد استغلت لندن هذه الحادثة كثيرا، ليس لاعتبارات إنسانية، بل لتحريك وضع سياسي جديد ضد روسيا. فالعداء بين بريطانيا وروسيا تأجج بعد هذا الحادث كثيرا، وبات هنالك سباق بريطاني لتشكيل جبهة حرب باردة تقودها هي، لنزع الأوراق السياسية والعسكرية التي حصلت عليها موسكو في سوريا وأنحاء أخرى في العالم، بعد أن تراجعت أمريكا كثيرا إلى المقعد الخلفي في قيادة العالم. كما أن من مصلحة حلف الناتو، الذي كانت المملكة المتحدة على الدوام هي أبرز زعاماته، أن يكون هنالك توتر جيبولتيكي في العالم بينه وبين عدو كبير، فبعد الحرب على ما يسمى «الارهاب» بات من الضروري أن ترجع روسيا مرة أخرى عدوا.
أما القوة الثالثة التي شاركت في الضربة الجوية وهي الولايات المتحدة الاميركية، فهي الاخرى لديها أسبابها وأهدافها الخاصة بها، التي تروم جني الارباح من وراء مشاركتها، فالرئيس متهم بالعلاقة مع الروس وأن وصوله إلى السلطة كان نتيجة تدخلهم في الانتخابات، وبالتالي هو يريد أن يثبت عكس ذلك ويظهر للعلن أنه في حالة عداء مع بوتين. هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي، فالاميركان يعتقدون أن الروس يحاولون إعادة النظام الدولي إلى نظام الثنائية القطبية، وهذا يتعارض تماما مع استراتيجيتهم، لذلك هم أرادوا من الضربة الجوية توجيه رسالة بأن العالم مازال أحادي القطبية، وأن روسيا قوة أقليمية لا أكثر. أما العامل الآخر الذي دخل في صنع الضربة الجوية، فهو الضغط الكبير الذي يوجه إلى الادارة الاميركية من حليفتيها في المنطقة، وهما المملكة العربية السعودية و(إسرائيل). فالطرفان ينتابهما قلق شديد من التواجد الايراني في الساحة السورية. كما أن الولايات المتحدة قلقة من التحالف الروسي الايراني، لانها ترى أن الايرانيين يكتسبون خبرة عسكرية وتعبوية كبيرة نتيجة قتالهم جنبا إلى جنب قوة عظمى هي روسيا، وبالتالي قد يهدد مصالحهم الكبرى في المنطقة. لذلك هم عازمون على كسر هذا التحالف، خاصة أنهم يرون أن موسكو جاهزة للمساومة في حالة تقديم عرض غربي لها في ساحات أخرى. وعليه كانت الضربة تداري خواطر وهواجس روسيا، بحيث يمكننا ملاحظة الفرق الكبير بين التصريحات المُهددة قبل الضربة والفعل الذي جرى على الارض، فقد أبلغ الفرنسيون الروس بموعد الضربة الجوية، وتم انتقاء أهداف بعيدة جدا عن التواجد الروسي والحليف الايراني كذلك، وانتفى عنصر المفاجأة فيها، ما سمح للنظام وحلفائه الايرانيين بمتسع من الوقت لتفريغ المنشآت المهمة، وإعادة الانتشار على الجغرافية السورية، وبذلك فإنها لم تغير الموازين على الارض إطلاقا، ولم تستهدف الرئيس السوري، وكانت محدودة إلى أبعد الحدود ضد منشآت فارغة تماما. 
إن الحرب في سوريا حرب كونية، ونتيجة الحرب تحدد شكل النظام الدولي والاقليمي معا. وكل قوة في سوريا لديها مشروعها الخاص، وهذا يعكس حجم الاستثمار. قد تكون هذه الحملة لتحسين وضع الولايات المتحدة حول طاولة المفاوضات، بعد أن وجدت نفسها والغرب خارج اللعبة التي تجري على الارض السورية، وخارج الذي جرى في أستانة وسوتشي، لكن السؤال المهم هو، ما الذي سيحصل في المرحلة اللاحقة؟ وما هي مخرجات الضربة الجوية على الوضع الداخلي السوري؟ يقينا سيشرع الروس والايرانيون والنظام بتصعيد الضربات على المناطق القليلة المتبقية تحت سيطرة المعارضة السورية المسلحة، وبذلك سيتم إرساء حكم حليفهم بشار من جديد، ويؤكد سيطرته على معظم المناطق المفيدة في سوريا، لكن الغرب والولايات المتحدة لن يتركوا الكعكة تقضم كاملة من غيرهم.
المصدر

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :117,095,143

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"