تقرير خاص-العودة إلى العنبر 17 .. التصالح مع زميلين خطفهما الموت في العراق

مع اقتراب موعد إحياء الذكرى السنوية سارعت إلى إرسال رسالة لصديق إندونيسي أسأله فيها: ”هل يجوز لي أن أقف على سجادة صلاة يؤدي عليها المسلمون الصلاة؟“

كنت قد أمضيت 10 أيام في الاستعداد لهذه المناسبة. وكانت الفترة في واقع الأمر 10 سنوات. وأردت أن يسير كل شيء على الوجه السليم.

فقد كنت أتهيأ لطلب الصفح من زميلين في رويترز المصور نمير نور الدين والسائق سعيد شماغ العراقيين عما أعتقد أنه دوري في موتهما.

كنت رئيس مكتب رويترز في العراق عندما أطلقت طائرة هليكوبتر أميركية من طراز أباتشي النار على شوارع بغداد فقتلت نمير (22 عاما) وسعيد (40 عاما) في 12 تموز/يوليو 2007 وقتلت معهما 10 أشخاص آخرين.

واحتل ذلك الهجوم العناوين عندما نشر موقع ويكيليكس مقطعا سريا صوره الجيش الأميركي للحادث في العام 2010. وشاهد الملايين ذلك الفيديو الذي نشر بعنوان ”قتل غير مقصود“.

أعددت الخطط لكي أزور العراق في الذكرى السنوية العاشرة كي أعتذر لعائلتي نمير وسعيد.

وبدلا من ذلك ولعجزي عن التوافق مع الأمر مع اقتراب اليوم الموعود دخلت وحدة الرعاية الداخلية لخدمات العلاج من الإصابات النفسية في مركز أوستن هيلث بملبورن. وكانت تلك هي المرة الثانية التي أدخل فيها الوحدة المعروفة باسم العنبر 17 في أقل من عام.

وعلى أمل أن يفيد العلاج النفسي تواصلت مع كاهنة تحت التمرين وخط الشيب شعرها البني اللون. ولم تسأل الكاهنة مصممة الأزياء السابقة قط عن ذنبي أو مصدر شعوري بالعار. بل ساعدتني على التخطيط لحضور مراسم الذكرى ووقفت بجانبي في كنيسة مركز أوستن هيلث عندما قرأت بصوت عال رسالة من 4885 كلمة مكتوبة بخط اليد إلى نمير وسعيد.

كما طلبت النصيحة من إمام معروف مصري المولد في مسجد قريب. وحضرت صلاة الجمعة. وساعدني الاثنان على الشفاء. ساعداني على الصفح عن نفسي.

خلال الفترة التي أمضيتها في العنبر 17 في المرة الأولى في 2016 علمت كيف أصبت بمتلازمة إجهاد ما بعد الصدمة من جراء السنوات التي غطيت فيها حروبا واعتداءات إرهابية وكوارث طبيعية في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأنا أعمل لرويترز.

وتعلمت استراتيجيات التعامل مع الأعراض الكثيرة التي كانت تظهر علي من الغضب والقلق وبلادة المشاعر والعجز عن التكيف مع الضوضاء غير المتوقعة. وقرأت كل شيء استطعت أن أجده عن متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة والحرب.

لكني لم أتصالح مع الحدث الذي دفعني فعلا إلى جحيم نفسي. كنت قد بدأت استوعب البعد الأخلاقي لفقدان نمير وسعيد. فإلى جانب متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة أصبحت أعاني من إصابة أخلاقية.

تركزت أغلب الأبحاث في هذه الحالة غير المعروفة على قدامى المحاربين الأميركيين الذين شاركوا في حروب فيتنام والعراق وأفغانستان. ويقول عدد قليل من الخبراء إن هذه الحالة تفيد في تفسير الشعور الهدام بالذنب والخزي الذي عاد به بعض الجنود من ساحات القتال.

فكروا في جندي في العراق قتل مدنيا بطريق الخطأ أو يلوم نفسه لأنه لم يلحظ عبوة ناسفة على جانب أحد الطرق انفجرت وقتلت زملاءه في مركبة تسير خلفه. أو أحد العاملين في المجال الطبي في أفغانستان يلوم نفسه لعدم بذل الجهد الكافي لإنقاذ زميل جريح.

والإصابة الأخلاقية هي الضرر الذي يلحق بضمير الإنسان أو ببوصلته الأخلاقية من جراء شيء فعله أو أخفق في منع حدوثه أو شاهده وشكل إخلالا بقيمه الأخلاقية.

وإلى جانب الشعور بالذنب والخزي ربما تؤدي تلك الإصابة إلى نوبات غضب واكتئاب وانسحاب اجتماعي وإلى توارد أفكار دخيلة مثل عودة ذكريات قديمة أو كوابيس. ويفقد من يعانون من هذه الحالة إحساسهم بالاعتزاز بالنفس. وربما يكون مآلهم الانتحار.

كتبت شيرا ماجوين من جامعة كاليفورنيا وبريت ليتز من جامعة بوسطن وهما من رواد الأبحاث في الإصابة الأخلاقية تقولان ”متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة اضطراب نفسي يتطلب تشخيصا. أما الإصابة الأخلاقية فمشكلة لها أبعاد. فلا توجد عتبة تمثل معيارا لوجود الإصابة الأخلاقية بل يحدث في وقت من الأوقات ألا توجد لدى المحارب القديم أي أعراض أو تظهر عليه أعراض متوسطة أو حادة“.

وقد كتب أطباء استراليون متخصصون في العلاج السريري أن الإصابة الأخلاقية تحدث لرجال الشرطة والعاملين في خدمات الطواريء.

ولا يوجد توافق بين الخبراء على ما إذا كانت الإصابة الأخلاقية حالة ثانوية من متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة أو حالة منفصلة. ويبدو أن ثمة قدرا من الاتفاق على أن الإصابة الأخلاقية والمتلازمة قد يحدثان معا أو تكون الإصابة بإحداهما دون الأخرى. ومن الممكن في الواقع أن تحدث الإصابة لأي شخص وتنتج عن تجربة واحدة أو عدة تجارب.

كانت أول مرة أسمع فيها عن الإصابة الأخلاقية في الأسبوع السابق على دخولي العنبر 17 في المرة الأولى في آب/أغسطس 2016. فقد ذكر زميل سابق هذا المصطلح في رسالة بالبريد الإلكتروني بعد أن أبلغته بما أشعر به تجاه نمير وسعيد. وعثرت على بضع مقالات على الإنترنت عن هذه الحالة وكانت تتحدث عن تقويم الروح وشفائها.

ولاعتقادي أنني وقعت على شيء ذي بال كتبت في يومياتي يوم دخلت العنبر ”نمير وسعيد. ربما يكون الحل في الوصول إلى نوع من التقبل ثم طلب التكفير عن الذنب. كيف يكفر المرء عن 9 سنوات من الشعور بالذنب؟“

”الإصابة الأخلاقية. أشعر أن هذا التعبير يصف حالتي“.

ورغم أن الإصابة الأخلاقية لا تعد مرضا نفسيا، إذ يعتبرها بعض الخبراء إصابة للروح، فقد أقرت طبيبتي النفسية في العنبر 17 أنني أعاني منها. في وقت سابق من ذلك العام شخص الأطباء إصابتي بمتلازمة إجهاد ما بعد الصدمة.

أمضيت ساعات في الحديث عن نمير وسعيد مع هذه الطبيبة النفسية مريم دار التي تتسم بالفطنة والتفهم. وكان مما اقترحته الطبيبة علي أن أكتب رسالة إلى نمير وسعيد أشرح لهما فيها ما أشعر به. فقد قدرت أن ثمة بعض الكلمات التي لا أقدر على نطقها. وربما تفيد الرسالة في فتح مغاليق تلك المشاعر.

كانت فكرة رائعة، كما خطر لي، واستراتيجية للشفاء أوصى بها بعض خبراء العلاج من الإصابة الأخلاقية. لكني استغرقت عشرة أشهر في استجماع شجاعتي. فلم يحدث إلا في فترة إقامتي الثانية في العنبر 17 أن استطعت الإمساك بالقلم والورقة. ظللت أكتب 6 أيام. وما أن انتهيت حتى أدركت السبب في شعوري بالمسؤولية عن مقتل نمير وسعيد وسبب شعوري في السنوات اللاحقة بالخزي لخذلانهما.

إليكم بعض الخلفيات أولا.

في الفيديو السري الذي صوره الجيش الأميركي ونشره موقع ويكيليكس يظهر نمير وسعيد مع مجموعة من الرجال في أحد شوارع شرق بغداد يبدو أن قلة منهم مسلحون ببنادق كلاشنيكوف وقاذف صاروخي آر.بي.جي كلها موجهة لأسفل. وكان الرجال يسيرون بلا هدف محدد.

قال الجيش الأميركي في بيان في 13 تموز/يوليو 2007 إن نمير وسعيد قتلا في اشتباك مع مسلحين. وأظهر الفيديو أن هذا غير حقيقي.

وبعد التحقق من وجود أي قوات أميركية أو عراقية بالقرب من هذه المجموعة تعود الطائرة الأباتشي وتطلب الإذن من وحدة أرضية أميركية بالهجوم. وفي تلك اللحظة تحجب بيوت الرؤية عن طاقم الطائرة ولذلك يضطر للتحليق في شكل دائري لتعديل موقعه.

وبعد نحو 20 ثانية يمكن رؤية نمير جالسا القرفصاء يتطلع من ناصية شارع وكاميرته ذات العدسات الطويلة مرفوعة للأمام. كان على وشك تصوير مركبات همفي أميركية تعبر تقاطعا يبعد أقل من 100 متر. ويصيح أحد أفراد طاقم الأباتشي ”لديه مدفع آر.بي.جي. وبعد حوالي 45 ثانية تطلق الطائرة الهليكوبتر الدفعة الأولى من عدة دفعات من مدفعها الآلي عيار 30 ملليمترا.

مات أغلب الرجال. وبعد 3 دقائق أمكن رؤية سعيد جريحا لكنه كان لا يزال على قيد الحياة. حاول أن ينهض ويزحف. لكن الطاقم يريد الإجهاز عليه. ويقول أحدهم ”هيا يا صاحبي“. ويقول الآخر ”كل ما عليك أن تفعله هو أن تلتقط سلاحا“.

وعندما يظهر سعيد مرة أخرى في مجال الرؤية للطائرة المحلقة يرى الطاقم عربة ميني فان تتوقف بجواره. ويبلغ طاقم الطائرة الأباتشي الوحدة الأرضية الأميركية أن العربة ”ربما“ كانت تحاول انتشال الجثث والأسلحة ويطلب الإذن بالهجوم. ويظهر في الفيديو قائد العربة الفان صالح مطشر البالغ من العمر 43 عاما وهو ينزل من العربة ويفتح باب الشحن المنزلق. ويصل رجلان آخران إلى موقع الهجوم ولا يحملان سلاحا فيما يبدو وينتشلان سعيد ويضعانه في العربة.

وتعطي الوحدة الأرضية الأميركية الإذن بالهجوم. فتطلق الطائرة النار على السيارة ويُقتل سعيد وقائد العربة الفان ويصاب اثنان من أبنائه كانا بالسيارة.

* لم أفعل ذلك قط

اطلعت على لمحة أولية لمقتل الاثنين في 25 تموز/ يوليو 2007. فقد قدم 2 من كبار الضباط الأميركيين لي ولمايكل لورانس رئيس قسم الأخبار في رويترز آنذاك تقريرا غير رسمي في بغداد عن تحقيق الجيش في الهجوم.

ففي واحد من قصور صدام حسين السابقة التقينا البريجادير جنرال فينسنت بروكس الذي كان حينذاك نائب القائد العام للقوات الأميركية في بغداد وتولى الإشراف على التحقيق ونائب الأميرال مارك فوكس الذي كان حينذاك متحدثا باسم الجيش الأميركي في العراق.

قال لنا بروكس إن وحدة كبيرة من الجنود الأميركيين كانت تعمل في المنطقة منذ فجر 12 يوليو / تموز 2007 لتطهيرها من رجال ميليشيات شيعية. وبعد تعرضها لهجوم بأسلحة صغيرة وقذائف صاروخية طلب قائد القوات الأميركية على الأرض دعما جويا.

ووصلت طائرتان من طراز أباتشي ورصدتا فيما بعد مجموعة الرجال التي كان نمير وسعيد بينها. وكان العاملون معي قد توجهوا إلى المنطقة للتحقق من تقرير عن ضربة جوية أميركية على مبنى في وقت سابق من ذلك اليوم.

وضغطنا أنا ولورانس على بروكس: هل أطلق أي فرد من الجماعة النار على القوات الأميركية؟ ورد بروكس بالنفي. وقال إن النار كانت تُطلق على الأميركيين من مناطق أخرى وليس من الموقع الذي كان فيه نمير وسعيد.

لكن بروكس قال إن الجيش اعتبر أن المجموعة تبدي نية معادية بسبب حمل بعض الأفراد للسلاح ولذلك فمن الممكن إطلاق النار عليها بمقتضى قواعد الاشتباك لدى الجيش الأميركي.

اعترضنا وقلنا إن كل بيت في العراق به بندقية كلاشنيكوف. لكن بروكس قال إن كل بيت لا يملك قاذف آر.بي.جي وإن كل من يملك بندقية كلاشنيكوف يجب ألا يسير بها في الشارع. فهذا مخالف للقانون.

ثم عرض علينا الجنرالان أقل من ثلاث دقائق من مقطع فيديو صورته كاميرا الطائرة الأباتشي حتى اللحظة التي بدأت فيها إطلاق النار. وقال بروكس إن بقية اللقطات تظهر مركبة فان وهي تتوقف في الموقع. وأضاف أن الجيش اعتقد أن قائد المركبة يعاون المتمردين ولذا فقد تم الهجوم عليها.

وطلب لورانس مشاهدة بقية الفيديو والحصول على نسخة كاملة منه (فقد كانت مدته 38 دقيقة) حتى يمكن لرويترز أن تتحقق مما إذا كان قد تعرض للتلاعب أو المونتاج.

ورفض الجنرالان وطلبا منا السعي للحصول على شريط الفيديو من خلال قانون حرية المعلومات الأميركي. وهذا ما فعله محامونا في وقت لاحق من ذلك اليوم. ولم يحدث قط أن سلمت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) هذا الفيديو رغم عدة محاولات لاحقة بذلتها رويترز.

ورفض بروكس، الذي أصبح الآن جنرالا بأربعة نجوم يقود القوات الأميركية في كوريا، الإدلاء بتعليق لهذا التقرير. أما فوكس الذي تقاعد من البحرية في العام 2016 فقال إن الحصول على أشرطة كاميرات الاشتباكات لا يمكن أن يتم إلا من خلال قانون حرية المعلومات.

في رسالتي إلى نمير وسعيد قلت إنني لم أستطع أن أفهم لماذا عجزت عن سؤال الجيش الأميركي عن قواعد الاشتباك. كان العراق في ذلك الوقت أخطر بلد للصحفيين على وجه الأرض. سقط العشرات قتلى ومنهم 4 من رويترز منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003.

كنت قد وصلت إلى بغداد في كانون الثاني/ يناير 2007 قبيل بدء إضافة 30 ألف جندي لزيادة القوات الأميركية في العراق. ولم يحدث في أي وقت من الأوقات أن كثفت القوات الأميركية عملياتها الهجومية في بغداد مثلما فعلت في الأشهر الستة الأولى من عام 2007.

كنت أعلم كل ذلك ومع ذلك فلم أطلب تفسيرا للكيفية التي يمكن أن تؤثر بها قواعد الاشتباك على العاملين معي. هذا ما كتبته لنمير وسعيد.

قلت لهما ”لم أفعل ذلك قط وأعتقد أن ثمن ذلك كان حياتكما“.

في الآونة الأخيرة قال لي أندرو مارشال وألستير مكدونالد اللذان شغلا قبلي منصب رئيس مكتب رويترز في بغداد إنهما طالبا لسنوات بالاطلاع على قواعد الاشتباك أو إطلاعهما عليها في لقاء خاص. وقوبلت محاولاتهما بالرفض مرارا.

عندما ظهر إحساسي الضبابي والمعوق بالمسؤولية عن موتهما في منتصف 2016 أكد لي أفراد من أسرتي وأصدقاء وزملاء حاليون وسابقون في رويترز أن موتهما لم يكن خطأ مني. وهنا تكمن مشكلة رئيسية لمن يعاونون من الإصابة الأخلاقية. فالكل يريد أن يجعلك تشعر بتحسن. ومن المفارقات أن بعض الخبراء يقولون إن ذلك يطيل الشعور بالألم.

كتب زاكاري ستيل ودومينيك هيلبرينك الطبيبان الاستراليان الخبيران في الصدمات، وهما من مستشفى سانت جون أوف جود للصحة النفسية في ريتشموند قرب سيدني في مقال لكتاب صدر بالإنجليزية عام 2015 بعنوان (الجراح غير المرئية في عصر البربرية) يقولان ”لاحظنا أن مشاعر الخزي والإحساس بالذنب العنيفة يمكن أن تنشأ في مواقف لا يكون لدى الفرد فيها، بأي تحليل موضوعي، القدرة على منع ما حدث“.

الشخص الوحيد الذي بدا أنه يفهم ما شعرت به هو قائد طائرة أباتشي سابق خدم في الوحدة ذاتها التي خدم فيها من قتلوا زميلي الاثنين لكنه لم يشارك في الهجوم.

وطلب هذا الرجل الذي تعقبته تعريفه فقط باسم دان. فقد أرسلت إليه رسالة في كانون الأول/ ديسمبر 2016 أطلب فيها منه أن ينقل رسالة إلى طاقم الطائرة الأباتشي. وقلت إنني أريد فقط أن أتحدث معهم.

ورد دان يقول ”يمكن تفهم ما تشعر به من أنك مسؤول جزئيا على الأقل عن فقدان أفراد كانوا يعملون معك. ويمكنني أن أقول لك بعد أن شاهدت الشريط بالكامل عدة مرات إننى لو كنت هناك في ذلك اليوم لضغطت على الزناد بنفسي. فمن السهل التعرف على الأسلحة وكانوا في مكان فيه قوات أميركية على الأرض تتعرض لإطلاق النار“.

وتلقى دان في نهاية المطاف ردا من واحد من أفراد طاقم الأباتشي الأربعة الذين كانوا يحلقون في الجو في ذلك اليوم. لم يكن يريد أن يتحدث معي.

ثم كان الشعور بالخزي.

قام محلل بالاستخبارات العسكرية الأميركية يعمل في بغداد، تحول فيما بعد إلى امرأة اسمها تشيلسي ماننج، بتسريب شريط الفيديو الذي صورته كاميرا الطائرة وأكثر من 700 ألف وثيقة سرية أخرى لموقع ويكيليكس.

كان اسمه برادلي ماننج قبل أن يتحول إلى امرأة.

وعندما كشف موقع ويكيليكس عن الفيديو في مؤتمر صحفي في نيسان/ أبريل 2010 كنت أقضي إجازة مع أسرتي في تسمانيا بعيدا عن أي هواتف أو رسائل البريد الإلكتروني. وعندما علمت بأمر الشريط بعد يومين كانت وصلة الإنترنت لدي ضعيفة. لكني لم أكن في قرارة نفسي أريد أن تكون لي أي صلة بالموضوع. كان الأمر شديد الإيلام. وكان كل ما أردته هو الاختباء.

ثارت ثائرة زملائي العراقيين عندما شاهدوا فيديو القتل اعتقادا منهم أني شاهدته بالكامل بدقائقه الثمانية والثلاثين خلال اللقاء غير الرسمي مع الجيش الأميركي في بغداد في تموز/ يوليو 2007.

لم نكن أنا ولورانس قد شاهدنا سوى أقل من 3 دقائق. ولم نشاهد الهجوم على العربة الفان الذي أدى لمقتل سعيد. ولم نكن قد سمعنا المزاح الصادم بين الطيارين عندما قال أحدهم ”آه. أنظر إلى هؤلاء الأوغاد الميتين“. ورد زميله ”رائع“.

كتب لي زميل عراقي بعد بضعة أيام من نشر الفيديو رسالة قال فيها ”أتعرف يا دين، نحن العراقيون في المكتب نحملك بعض اللوم لأنك كنت واحدا ممن شاهدوا ذلك الشريط في ذلك الوقت وكنت مقتنعا بالحجة التي ساقها الجيش الأميركي أن زميلينا الراحلين كانا يمثلان في تلك اللحظة مصدر خطر على أفراد الجيش الأميركي!!!!! ما هذا الرأي المنافي للعقل“.

كاد قلبي أن ينفطر لذلك.

وتجلى لي أيضا خلال فترة إقامتي الثانية في العنبر 17، وهو ما أرعبني، أنني كنت ألوم نمير عما حدث منذ اللحظة التي شاهدته فيها ينحني عند الناصية والكاميرا مرفوعة في يده في تلك الإفادة غير الرسمية في بغداد.

وفي رسالتي إلى نمير وسعيد كتبت أقول: ”نمير. أعجز عن فهم السبب الذي دفعني للتفكير على هذا النحو. كانوا سيهاجمون سواء دققت أنت النظر على تلك الناصية أم لا. وبالنسبة لي فإن إلقاء اللوم عليك بعد تسع سنوات وآنذاك أمر يستعصي على الفهم. كيف لم أر ذلك؟ ... ربما كنت أشعر حقيقة بالصدمة لما شاهدته في الفيديو... كنت قد دفنت شعوري بالمسؤولية في الأعماق“.

وعندما تسرب الفيديو ”كان يجب أن يكون لي دور لأني كنت أعرف أكثر عن القصة، وعن القصة الخلفية، من أي شخص آخر. كان من الممكن أن أوضح أن الإذن بضرب النار صدر قبل أن تدقق النظر على الناصية وكان من الممكن بالتالي تفادي الانطباع الذي أعطاه كثيرون في وسائل الإعلام أن الطائرة الأباتشي أخطأت وحسبت الكاميرا في يدك قاذف آر.بي.جي دفعها لإطلاق النار“.

* مسيرة طويلة

قابلت كاث سلاركس قبل نحو عشرة أيام من الذكرى السنوية العاشرة. كانت ترتدي ملابس زاهية الألوان وتضع أحمر شفاه. كانت في الثانية والثلاثين. وكانت واحدة من العاملين في الرعاية الروحية بمركز أوستن هيلث وفي المراحل الأخيرة من دراساتها لكي تصبح كاهنة.

قلت لكاث إنني أسكن في عالمين: الأول عالم عقلاني أدرك فيه أن من الجنون أن يستحوذ علي شيء حدثت وقائعه قبل عشر سنوات، والعالم الآخر هو الذي لا أستطيع أن أتعايش فيه مع الذكريات.

جاءتني فكرة الذكرى السنوية العاشرة من ماثيو جرين المؤلف والصحفي البريطاني الذي كتب عن وسائل أقل انتشارا لمعالجة الصدمات في الكتاب الذي نشره عام 2015 بعنوان (ما بعد الصدمة: القصة السرية للبقاء على قيد الحياة بعد السلام).

فعقب دخولي العنبر 17 أرسلت رسالة بالبريد الإلكتروني إلى جرين الذي عملت معه في بغداد عام 2004 قلت له فيها إني أبحث عن سبل الشفاء. واقترح علي جرين أن أنظم مناسبة خاصة إحياء لذكرى نمير وسعيد.

التقيت أنا وكاث عدة مرات للتخطيط لهذه المناسبة. وذات مرة قلت ”أدرك أنها ليست الكلمة المناسبة التي يمكن استخدامها لكني أشعر بحماس لذلك“. ابتسمت كاث وردت قائلة: ”هذا من جراء ترقبك لعمل شيء له معناه لنمير وسعيد“.

خطرت على بالي تساؤلات أيضا إن كان من الممكن أن أجد إجابات في الإسلام خاصة في طلب الصفح. أجريت بحثا في جوجل عن مساجد ملبورن. كان مسجد الصديق هايدلبرج يبعد كيلومترا واحدا عن العنبر 17 وكان إمام المسجد علاء الزقم يعيش في بيت في مواجهة المسجد.

سرت ذات يوم إلى هناك. وفتح علاء باب بيته المتواضع فقدمت نفسي له وسمح لي علاء بالدخول وأعد الشاي. بدا لي وهو في الثامنة والعشرين أصغر من أن يكون إماما. لكن الحكمة كانت تختفي تحت هذا المظهر حديث السن.

سألت علاء عن الصفح فقال إنه ليس بوسع الإمام الصفح، فالغفران من الله وحده.

تحدثنا عن نمير وسعيد. فقال إن موتهما كان مكتوبا وكان مصيرهما المقدر. ذكرني استخدام علاء لكلمة المكتوب بما كنت أسمعه في كثير من الأحيان في العالم الإسلامي.. أن الأحداث وخاصة المأساوية منها كلها تحدث بمشيئة الله.

بعد بضعة أيام ذهبت إلى المسجد لحضور صلاة الجمعة. جلست في قاعة المسجد مع بقية المصلين وألقى علاء الخطبة بمزيج من اللغتين الإنجليزية والعربية.

دارت بخاطري كل السنوات العديدة التي قضيتها في العالم الإسلامي. ولاحظت رجلا يجلس بضعة صفوف أمامي. من ظهره بدا لي وكأنه سعيد.

وفي يوم 12 تموز/ يوليو 2017 يوم الذكرى السنوية العاشرة نهضت مبكرا وانطلقت في مسيرة طويلة. كنت أحاول أن أصفي ذهني.

التقينا أنا وكاث في الكنيسة. وعند المذبح وضعت صورة في إطار لنمير وسعيد وكذلك شمعتين صغيرتين وتمثالين من الخشب لطائرين صغيرين باللون الأزرق يمثلان روحيهما. ووضعت كاث شمعة كبيرة على المذبح لي.

وأمام المذبح وضعت سجادة صلاة إسلامية باتجاه مكة احتراما لديانة نمير وسعيد. وكان صديقي الإندونيسي قد رد على رسالتي وطلب مني ألا أقف على السجادة. فوقفت بجوارها.

كانت كاث قد أعدت ترتيب المراسم على جهاز الآيباد الخاص بها. وقرأت دعاء ثم بدأت أنا أقرأ رسالتي. كنت قد ظللت أياما عديدة أفكر في تلك اللحظة. وكنت أريد إظهار مشاعري.

ومع استمراري في القراءة تزايد شعوري بالإحباط. لماذا لا أبكي؟ ما هي مشكلتي؟ لم أذرف دمعة واحدة.

أوقدنا الشموع. وسألتني كاث إن كان لدي شيء آخر أريد أن أقوله لنمير وسعيد. تقدمت للأمام ونظرت إلى صورتهما وطلبت منهما أن يصفحا عني.

ثم طلبت مني كاث أن أضع يدي فوق إناء فارغ. وأغلقت عيني. وراحت هي تصب الماء البارد ببطء من إبريق على يدي. أحسست وكأنني انتقل إلى الغابة المطيرة في تسمانيا قرب بيتي حيث أنشد الهدوء في كثير من الأحيان في رحلات سير طويلة. أحسست وكأن يدي مغمورتان في جدول ماء. وكان في ذلك تسكين لذهني. أحسست وكأنني تطهرت.

ثم غمست كاث سبابتها في زيت ورسمت علامة الصليب على جبهتي عدة مرات. كان في ذلك رمز للعتق.

وبعد ذلك طلبت مني إطفاء الشمع. وتصاعد الدخان من الشمعة الكبيرة في الهواء. ورأيت في الدخان المتبدد شعوري بالذنب والخزي.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,945,918

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"