قراءة أولية في ملف الصحراء الغربية

مثنى عبدالله

يبدو أن التقارير التي أشارت الى أن من بين ضحايا الطائرة العسكرية الجزائرية، التي تحطمت في الحادي عشر نيسان/ أبريل الجاري، كانوا من عناصر جبهة البوليساريو، قد سلط حزمة ضوء من جديد على ملف الصحراء الغربية من جهة، وكذلك علاقة قطبي هذا الملف وهما الجزائر والمغرب من جهة أخرى.

هي صحراء لا تخلو من مدن معروفة، تقع بين الجزائر والمغرب وموريتانيا غرب إفريقيا على المحيط الأطلسي. كانت مُحتلة من قبل الاستعمار الاسباني لمدة 90 عاما، واعتبروها أقليما إسبانيا خالصا. في عام 1976 خرج آخر جندي إسباني منها. وقبل خروج الإسبان أعلن المغرب أن الصحراء تعود له وهي جزء لا يتجزأ من أراضيه، لكنه تقاسم مع موريتانيا المنطقة في ما بعد. 
في ظل وجود المستعمر شكّل سكان الصحراء الغربية في عام 1973 كيانا توسل بالكفاح المسلح وسيلة لطرد المستعمرين من أرضهم. وقد أطلقت عليه تسمية جبهة (البوليساريو). وهي كلمة باللغة الإسبانية تعني اختصارا لـ(الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب)، التي أعلنت في حينها أن هذه الارض خاصة بالصحراويين وطالبت بحق تقرير المصير. لكن التطور الأكبر حدث مع الإعلان عن قيام ما سُمي بالجمهورية العربية الصحراوية الشعبية الديمقراطية في السابع والعشرين من فبراير عام 1976، وكان مقرها في جنوب الجزائر.
وعلى الرغم من أن موريتانيا دفعت ثمنا كبيرا في الصراع على الصحراء مع البوليساريو، كان من نتيجته حدوث انقلاب على نظام الحكم فيها، بعد تحميله مسؤولية الهزائم العسكرية التي منيت بها موريتانيا في هذا الصراع، بقي المغرب والجزائر طرفين فاعلين ومتضادين في هذا الملف، حيث تبنت الجزائر جبهة البوليساريو ودعمتها، محليا وأقليما ودوليا، ما أدى الى اعتراف عدد محدود من الدول بها. كما يتواجد على الاراضي الجزائرية عدد من مخيمات اللجوء لشعب الصحراء. فيما واصل المغرب سعيه الحثيث لنزع هذا الملف من أيدي الآخرين ووضعه تحت سيادته الوطنية. وربما السؤال الذي يطرح نفسه هو، ما هي مصلحة الجزائر في تبني جبهة البوليساريو، في حين أن هذا الملف فتيل مزمن يشعل العلاقات الجزائرية المغربية؟
لقد اتسمت العلاقات الجزائرية المغربية بالتوتر الدائم، وتولدت بينهما على مدى عقود من الزمن الكثير من الهواجس والحساسيات طالت ملفات ومواقف كثيرة على الصعيد العربي والإفريقي والدولي. ومن الطبيعي جدا أن يفكر صانع القرار السياسي في كلا الدولتين في جمع وتعزيز أوراق ضغط في يده على الطرف الاخر، فكانت قضية الصحراء إحداها.

هذه الحالة المستدامة بين القطرين العربيين، هي سمة طبعت علاقاتهما منذ السنوات الاولى لاستقلاليهما. وهي إحدى نتائج تضارب وتناقض المصالح بين إسبانبا وفرنسا اللتين كانتا تستعمران هذه المنطقة، حيث خلقتا بنية تحتية توفر بيئة مستدامة للخلاف، لم يستطع النظام الوطني تجاوزها بعد الاستقلال. كما أن اختلاف النظام السياسي في كلا البلدين، حيث كانت الجزائر في فترة السبعينيات وبداية الثمانينيات محسوبة على الانظمة الثورية، والمغرب محسوبا على الانظمة الملكية المحافظة أو الرجعية، حسب الادبيات الثورية، وكذلك الصراع على زعامة المغرب العربي بينهما، كلها عوامل دفعت السلطتين في كلا البلدين للتفتيش عن الخواصر الطرية أو الضعيفة للاستثمار فيها، بغية الاستفادة منها للتأثير المتبادل بينهما.
هنا لابد من الاشارة الى أن قضية الصحراء باتت تُستخدم كورقة ضغط أوروبية على المغرب، كما باتت تؤثر على الوضع الاقتصادي فيه أيضا، خاصة في موضوع اتفاق الشراكة في مجال الصيد البحري بينه وبين الاتحاد الاوروبي. هذا الاتفاق قائم وفق بروتوكولات تفاهم متعاقبة تتيح لسفن أحد عشر بلدا أوروبيا الصيد في منطقة الصيد البحري المغربية، مقابل مساهمة اقتصادية أوروبية سنوية بقيمة أكثر من 31 مليون يورو. غير أن بعض الأصوات ارتفعت في البرلمان الاوروبي ضد هذه الاتفاقية، بحجة عدم استشارة الطرف الصحراوي فيها عند التوقيع عليها، وأن العائدات المالية لا تذهب اليهم، وبذلك فقد تم اعتبارها مفتقدة للشرعية القانونية، على الرغم من أن البرلمان الاوروبي هو من صوت على الاتفاقية بعد سنوات مفاوضات طويلة مع المغرب، وهو من أسبغ عليها الشرعية القانونية. 
لكن في السابع والعشرين من شباط/ فبراير 2018 حدث تطور مهم في هذا الجانب، حيث اعتبرت المحكمة العليا الاوروبية أن اتفاق الصيد المبرم بين الاتحاد الاوروبي والمغرب، لا يشمل المياه المقابلة للصحراء الغربية. القرار جاء بعد أن تقدمت منظمة تسمى (حملة الصحراء الغربية)، وهي منظمة مستقلة تناضل من أجل حق تقرير المصير في الصحراء، بشكوى أمام المحاكم البريطانية ضد الاتفاق الاوروبي المغربي للصيد، الذي تم توقيعه عام 2007 ومستمر حتى الان. وقد رفعت المحكمة البريطانية الشكوى الى محكمة العدل الاوروبية، وكان جواب الاخيرة يقول «إن المحكمة تعتبر نظرا لواقع أن الصحراء الغربية ليست جزءا من أراضي المملكة المغربية، فإن المياه المحيطة بأراضي الصحراء الغربية لا تعتبر ضمن منطقة الصيد المغربية المعنية باتفاق الصيد».

ولان لُب الصراع هو من يملك أراضي الصحراء الغربية؟ فقد شكّل هذا القرار إحراجا سياسيا كبيرا للمغرب، حيث أعطى الصحراويين فرصة القول بأن هنالك قرارا قضائيا من محكمة أوروبية، يقول بأن الصحراء ليست جزءا من أراضي المملكة المغربية. وبذلك قد يتمكنون من الاعتماد عليه في المطالبات السياسية مستقبلا، إضافة الى أن القرار شكّل ضربة قوية للاقتصاد المغربي، لانه يمنع السفن الاوروبية من الصيد في هذه المنطقة، التي تعتبر غنية جدا بالاسماك. فهي تزود الاوروبيين 
بـ90 % من حاجتهم، بينما هنالك 10% فقط تأتي من بقية السواحل المغربية. لكن وفي الوقت نفسه يمكن للمغرب الطعن في هذا القرار الاوروبي، والقول بأن أرض الصحراء جاءت كجزئية ضمن القرار، حيث أن موضوع البحث الرئيسي للمحكمة كان يتعلق باتفاقية الصيد بين أوروبا والمغرب، ولم يكن الموضوع حول عائدية الصحراء. 
لقد تحولت هذه القضية الى موضوع مستديم يستنزف الجزائر والمغرب، ويعرقل أي جهد للتكامل السياسي والاقتصادي لتحقيق الرخاء لمنطقة المغرب العربي. والسبب الرئيسي في كل هذا المشهد هو عدم وصول البلدين الى مصالحه حقيقية تقوم على أسس ثابتة، وبالتالي تهيئ حلا مناسبا للصحراء.

كما أن أوروبا التي هي مسؤولة عن خلق مشكلة الصحراء الغربية، كنتيجة من نتائج استعمارها للمنطقة، مازال دخولها على الخط منحازا الى هذا الطرف أو ذاك من أقطاب الصراع. 
لقد استطاع العديد من الدول الاوروبية تجاوز نزاعاتها الحدودية من أجل بناء أوروبا الموحدة، على الرغم من عدم وجود الرابط القومي بينها، ووجود تاريخ مثقل بالحروب والمآسي، وهذا هو التصرف الذي اختارته كل من المانيا وفرنسا في نزاعهما على الالزاس واللورين على سبيل المثال. 


نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :107,279,646

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"