«صلاح الدين الأيوبي الصيني»

محمد عارف

"أولئك الذين يعرفون لا يتنبأون، والذين يتنبأون لا يعرفون".

قال ذلك «لاو تزو» مؤسس «الطاوية» أقدم فلسفات الصين. ومعظم الباحثين والأكاديميين المختصين بالسياسات الدولية الحالية يتنبأون، لكن بعضهم يعرف التاريخ، كالمحلل الروسي «ألكساندر نازاروف» الذي يتنبأ بظهور صلاح الدين الأيوبي، ليس من العالم العربي، ولا من روسيا، بل من الصين. وذكر «نازاروف» أن «الإيمان المطلق بالصواب، وحيازة الحقيقة المطلقة، وأستاذية العالم، والتفوق على الأعداء المستند إلى الاختيار الإلهي.. هي ما وحّد الغرب أثناء الحروب الصليبية في القرون الوسطى، وهي ما يوحده الآن أيضاً».

وغاب العربُ عن التاريخ في «المؤتمر الصيني الروسي حول تحديّات نمو البلدين» الذي اختتم أعماله أمس في شنغهاي بالصين. أطروحة المؤتمر «الشراكة الاستراتيجية الصينية الروسية أهم عامل في تحديد ديناميات العلاقات الدولية في منطقة أوراسيا العظمى»، وساهمت فيه نخبة من الأكاديميين والدبلوماسيين الصينيين والروس. وهو رابع مؤتمر حول الاستراتيجية الصينية الروسية المشتركة يُعقد في شنغهاي منذ عام 2010، وتآزره 4 مؤتمرات مماثلة في موسكو، تستقصي «العالم الذي يمر بتغيرات فائقة، ويتم فيه تحدي كثير من المفاهيم التي كان يُعتقد قبلاً أنها لا تتزعزع، فيما روسيا والصين تمتلكان تجربة فريدة في بناء وتعزيز الدولة، وتأكيد الوحدة الوطنية». وناقش مؤتمر شنغهاي توافق إدراك الصين وروسيا للمشاكل، وخلص إلى أن المستوى الرفيع الذي لم يحدث مثيله في العلاقات السياسية بين البلدين، يفرض الارتفاع بطبيعة وحجم الروابط الاقتصادية إلى المستوى السياسي نفسه، لمواجهة عقوبات تفرضها واشنطن على موسكو، وحرب تجارية تشنها على بكين. وأكدّ المؤتمر أن «الصين وروسيا تواجهان تحديات متماثلة، تتعلق ببلوغ أهداف نموهما الوطني في مواجهة الضغط المستفحل للغرب، وتطورات السياسة الأميركية، وبرنامج كوريا الشمالية النووي، وديناميات التغيرات في أوروبا، وتحديات الأمن العالمي، خصوصاً في آسيا».

وتجمع بين البلدين الذين تربطهما سادس أطول حدود مشتركة في العالم، تجربة تاريخية فريدة، حيث لم يشهدا احتلال أحداهما للآخر، بل خاضا أحياناً حروباً مشتركة ضد أعداء مشتركين، كما في الحربين العالميتين، الأولى والثانية. ومع أن الصين تمّسكت بالنظام الاشتراكي، فيما تخلّت عنه روسيا، فإن موضوع الدولة، الذي ركّزَ عليه «مؤتمر شانغهاي» يبين الفارق بين رأسمالية الدولة في الصين وروسيا، حيث الدولة هي التي تتحكم بالرأسمال، أما في الدولة الرأسمالية، كما في بريطانيا والولايات المتحدة، فالرأسماليةُ تتحكم بالدولة. وفي رسالة إلى الحزب الشيوعي الصيني أكدّ زعيمه «شي» أن الولايات المتحدة عازمة على وقف صعود الصين، «إلاّ أن ذلك لن يحدث بعد الآن، فالصين أضحت قوية جداً، واقتصادها كبير جداً». وفي مناقشة ردود الأفعال الأميركية المحتملة، ذكر مساعد وزير المالية «زهاو غوانغياو» أن «الصين لا تخاف الحرب التجارية»، وأن «الصين الجديدة التي شرعت بنهضتها الاقتصادية الاستثنائية قبل 4 عقود، دليل على أنها لن تخضع لضغط أجنبي».

وتبدو التصورات التاريخية للمحلل الروسي «نازاروف» أكثر راهنية من أحكام المحللين الأميركيين، الذين يغفلون عند مقارنة اقتصاد الصين والولايات المتحدة تاريخ التطور الاقتصادي والعلمي للبلدين. فالصين، على خلاف دول الغرب، لم تنهب ثروات الأمم الأخرى، وعندما أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى، منتصف القرن الماضي، كانت الصين بلداً مُعوزاً يعاني مجاعات، ومتخلفاً علمياً، حتى عن مصر. أما الآن فالصين هي ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وهي تملك قوة بحرية وفضائية صاعدة. وهنا «من يعرف الكافي بما يكفي يعرف دائماً الكافي». قال ذلك «لاو تزو»، ومنه نعرف فلسفة المسيرة العظمى للصين: «قُمْ بالأشياء الصعبة عندما تكون سهلة، وقُمْ بالأشياء الكبيرة عندما تكون صغيرة، فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة».


نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,823,441

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"