هل السلام في وجدان المصريين؟!

محمد سيف الدولة

لا اتصور ان هناك مفكراً أو كاتباً او مثقفاً او سياسياً في مصر، أياً كانت مرجعيته الفكرية او السياسية، يجرؤ على ان يعقد ندوة يصرّح فيها بأن السلام مع (إسرائيل) في وجدان المصريين. ولكن السيسي فعلها!

وقالها صراحة في الندوة التثقيفية الأخيرة للقوات المسلحة المنعقدة يوم السبت 28/4/2018 حيث قال بالنص:

 

 

"بعد 1967 .. الوجدان اتشكل على عداوة شديدة لـ(إسرائيل) واستعداد للقتال للآخر (حتى آخر مدى) مكانش فيه حد في المنطقة وفي مصر يقبل بمبادرة السلام اللي الرئيس السادات طرحها...

مكانش حد كتير مؤمن بفكرة السلام ساعتها...

مكانش حد شايف اللي شايفه الرئيس السادات وهو بياخد القرار ده...

كان السادات لوحده......

احنا بنتكلم (النهارده) بعد 50 سنة عندما تشكل وجدان جديد ووعي اخر وحالة جديدة في نفوس الناس هى حالة السلام والتشبث به"

 

وهذا هو رابط كلمته على اليوتيوب

 https://www.youtube.com/watch?v=WZXN9pZ_XhQ

***

ليست هذه هى المرة الاولى التي يردد فيها السيد عبدالفتاح السيسي هذا الكلام، فلقد كرره كثيرا من قبل، كانت المرة الاولى خلال حملته الانتخابية الاولى عام 2014 حين قال في اجتماعه مع عدد من الاعلاميين

أن "معاهدة السلام استقرت في وجدان المصريين.. وأنه لا يوجد عبث في هذا الكلام"

..........

ولقد قمت حينها بالرد عليه في مقال بعنوان " بل هو سلام بالاكراه" قلت فيه:

عن أي سلام وأي وجدان وعن أي مصريين تتحدث ؟

المصريون يعلمون جيدا أنه سلام بالاكراه، بدأ باحتلال سيناء بالقوة، وصمت مجلس الأمن، وتدخل الأميركان ضدنا في حرب 1973 لسرقة النصر، وإرغامنا في 1974 على انسحاب قواتنا التي عبرت، وإكراهنا على توقيع هذه المعاهدة المُذِلة التي لا تمت للوطنية بصلة

· فمعاهدة تعترف بـ(إسرائيل)، وبحقها في الأرض التي يعرفها المصريون بانها فلسطين، لا يمكن أن تكون في الوجدان المصري،

· ومعاهدة تخرج مصر من قيادة النضال ضد المشروع الصهيوني الذى يهدد مصر والأمة العربية كلها قبل أن يهدد فلسطين،

· ومعاهدة تحرم الشعب المصري من حقه في فرض سيادته الكاملة على أرضه، فتجرد ثلثى سيناء من القوات والسلاح، لا يمكن أن تكون في وجدان أحد،

· ومعاهدة تنحاز الى الامن القومي (الإسرائيلي) على حساب الامن القومي المصري، فتعطى لـ(إسرائيل) الحق في ان تضع دباباتها على بعد 3  كيلومتر من الحدود المصرية، وتجبر الدبابات المصرية ان تكون على بعد 150 كيلومتر من ذات النقطة،

· ومعاهدة تلزمك باستئذان (إسرائيل) والتنسيق معها كلما اردت ان تزيد عدد قواتك في سيناء المصرية، ولا تلزمهم بالمثل،

· ومعاهدة استبدلت الاحتلال الصهيوني بقوات اجنبية أميركية وأوروبية لا تخضع للأمم المتحدة، تحت قيادة وزارة الخارجية الأميركية، لا يمكن ان تكون في وجدان اي وطني،

· ومعاهدة وضعت الامن القومي الصهيوني فوق الامن القومي العربي، وأعطت لنفسها الاولوية على اتفاقيات الدفاع العربي المشترك،

· ومعاهدة قيدت السياسة الخارجية المصرية وجردت مصر من حقها في عقد اي معاهدات مستقبلية تتناقض مع احكامها،

· ومعاهدة أوقعت مصر وجيشها وتسليحها تحت رحمة وفي براثن المعونة العسكرية الأميركية، تتحكم فيها وتسيطر عليها، لصالح (إسرائيل)،

· ناهيك على انها معاهدة باطلة دستوريا، اذ تخالف كل الدساتير المصرية التي تنص على ان السيادة للشعب المصري وحده، بعد ان جردت سيناء من السيادة الكاملة،

· وتخالفها في تنازلها عن جزء من الامة العربية لـ(إسرائيل)، اذ تنص الدساتير على ان مصر جزء منها ويجب أن تعمل على وحدتها.

***

واليوم أضيف على ذلك فأقول له: ان الوعي والوجدان الثابت والمستقر لدى الشعب المصري هو انه يكره (إسرائيل) ويعاديها ويرفض السلام والتطبيع معها، ويعشق فلسطين ويفخر بشعبها ويمجّد مقاومتها التي لم تتوقف منذ قرن من الزمان، ويترحم على شهدائها، ويشفق علي الشعب الفلسطيني لأنه يقف وحيدا، بعد ان تخلت عنه كافة الدول العربية، في مواجهة ماكينة القتل الصهيونية المدعومة بترسانة السلاح الأميركي وبمؤسسات المجتمع الدولي، ويشعر بالذنب طول الوقت لانه يقف عاجزا عن دعم ونصرة فلسطين، ويتمنى ان يشارك الجيش المصري وكافة الجيوش العربية في تحريرها...الخ

·       ولكن بحكم القهر والاستبداد، يعجز هذا الشعب المصري الكريم عن ترجمة هذه المشاعر وهذه المواقف على ارض الواقع.

·       ويكفي تدليلا على ما اقول هو انه حين امتلكت الجماهير المصرية حريتها وحررت ارادتها واتيح لها التعبير عن حقيقة مشاعرها بعد ثورة يناير فانها حاصرت السفارة الصهيونية وأغلقت مقرها على كوبري الجامعة.

·       كما انه على امتداد 40 عاما خرجت مئات المظاهرات والفاعليات المصرية ضد (إسرائيل) وكامب ديفيد والصهيونية وضد التطبيع والاعتداءات والحروب الصهيونية على الشعبين الفلسطينى اللبنانى وكل الأقطار العربية، ودخل الناس السجون دفاعا عن مواقفهم، ولا يزالوا يحتفون حتى يومنا هذا بالمناضلين والشهداء أمثال عبدالمنعم رياض ويحيى الرفاعي وسليمان خاطر ومحمود نور الدين.

·       وفي المقابل لم تخرج فاعلية واحدة، ولا اقول مسيرة او مظاهرة، تدافع عن (إسرائيل) او عن السلام معها، سوى كاتب او اثنين على مر التاريخ تم مقاطعتهم وعزلهم سياسيا واجتماعيا.

***

فعن أي وجدان تتحدث؟! ولمن توجه هذه التصريحات؟! وما هى مناسبتها او المصلحة المرجوة من ترديدها الآن؟! في وقت تتبرأ فيها (إسرائيل) من السلام المزعوم وتحتل مزيد من الارض كل يوم وتبنى مزيد من المستوطنات وتعلن القدس الموحدة عاصمة لها، وتستعد لافتتاح السفارة الأميركية هناك، وتقتل يوميا المزيد من الفلسطينيين، وتقتحم باحات المسجد الاقصى طمعاً في اقتسامه وتعربد في السماوات العربية بلا حساب!


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,816,113

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"