هل استعبدتنا تكنولوجيا التواصل الاجتماعي؟

مثنى عبدالله

فجّرت قضية قيام أحد العاملين في شركة «كامبريدج أناليتيكا» البريطانية بجمع ملايين البيانات الشخصية من خلال تطبيق «هذه حياتك الرقمية»، الذي استعمله الكثير من مستخدمي فيسبوك، وتمرير تلك البيانات إلى الشركة وأطراف أخرى واستغلالها لمصالح سياسية، فجّرت الجدل القائم حول مصير بياناتنا الشخصية، التي نضعها تحت تصرف مواقع التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الإلكترونية الاخرى، التي نستخدمها يوميا.

 

ففي أحدث كشف نقله أحد الخبراء في مقال له في صحيفة «الغارديان» البريطانية الشهر الماضي، تبيّن أن كل مساراتنا اليومية تُخزن، وأن كل ما نبحث عنه في محركات البحث يُعرف، وما نفعله على التطبيقات والمواقع التي ندخل إليها يُسجل، وكل صورنا التي نلتقطها بعدسات هواتفنا تُشاهد، وكل رسائل بريدنا اليومي تُقرأ، بل أن الكثير من التطبيقات التي نهرول سريعا لتحميلها على هواتفنا وأجهزتنا الإلكترونية لاستخدامها في حياتنا اليومية، تقوم جهات أخرى باستثمار معلوماتنا المخزونة في هذه الأجهزة، وفي التحكم في فتح كاميرات التصوير المرتبطة بهواتفنا، وفي التلصص على محادثاتنا مع الآخرين، ثم تأتي حصيلة هذا الاستثمار المعلوماتي الواسع، على هيئة إعلانات تجارية تحاكي اهتماماتنا وأمزجتنا وتدغدغ غرائزنا.

إلى هذا الحد يبدو هذا الشيء مقبولا في الغرب، لكن الاعتراض والرفض والتهديد باللجوء إلى القضاء يأتي في حالتين، يجد فيها مستخدمو مواقع التواصل الرقمي بأنها تحوي قدرا كبيرا من الخطورة والتعدي على خصوصياتهم، الاولى هي في حالة استباحة معلوماتهم من قبل عصابات تبتزهم ماديا أو معنويا. والثاني وهو الأكثر خطورة، هو قيام شركات متخصصة بالتأثير على المشاعر والقناعات، من خلال استثمار معلوماتهم الشخصية وتوجيه قناعاتهم وجهة أخرى بما يخدم أهداف سياسية معينة. وهو ما شاع أنه قد حصل لصالح الحملة الانتخابية لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، لذا وجدنا ضجة كبرى ومطالبات بالتحقيق جاءت من البرلمان الأوروبي والبريطاني والكونغرس الأميركي، بسبب ضغوط شعبية كبيرة كان دافعها الذعر من الاستغلال غير القانوني لمعلوماتهم الشخصية وتزوير إراداتهم السياسية.

لاشك بأن الثورة الرقمية التي جاءت في التسلسل الثالث بعد الثورتين الزراعية والصناعية في العالم، قد غيرت عوامل التواصل الاجتماعي، ونقلتها إلى تواصل رقمي، بحيث بات من الخطأ إطلاق تسمية التواصل الاجتماعي عليها، لأنها حوّلت البشر إلى مجرد أرقام وصور في عالم الفضاء الرقمي المسمى (السايبر). هذا الفعل غيّر العوامل الاجتماعية والتقاليد والعادات المتعارف عليها بين البشر. كذلك تغيرت عوامل التواصل من لغة وتلاق جسدي محسوس إلى كتابة، وباتت المشاعر مجرد أيقونات نرسمها للتعبير للآخرين عن تفاعلنا معهم في الحزن والفرح، بدون أن يجد من هو في الطرف الآخر أي حسّية فيها، وبذلك اقترب الانسان من أن يكون آلة، واقتربت الآلة كي تكون إنسانا، لكن الجديد في هذه الثورة هو أن الصراع بات أساسه المعلومة، بعد أن كان في الثورة الزراعية أساسه الارض، وفي الثورة الصناعية كان أساسه الإنتاج.

فبعد أن ناضل الإنسان طويلا من أجل الانعتاق من عبودية الأرض وعبودية وسائل الإنتاج، صحى مجددا على استعباد مواقع التواصل الرقمي له. صحيح أنه هو من وضع تحت تصرفهم معلوماته الشخصية بموافقته على شروط الانضمام، لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أنه وافق على أن يكون تحت طائل شكل جديد من المراقبة .

قد لا تكون هذه المواقع خاضعة بصورة مباشرة لأجهزة استخبارات دولية، لكن قد تكون الحكومات قادرة على اختراق حسابات المستخدمين، بما متوفر لديها من أجهزة ومعدات متطورة. كما أنها تستخدمها كثيرا في الترويج لسياساتها وبث أيديولوجياتها وتسقيط من يخالفها الرأي، حيث استطاع الكثير من الحكومات استخدام هذه المواقع لملاحقة معارضيها والقصاص منهم، والتشهير بهم بالإعلان عن تفاصيل حياتهم الشخصية المستقاة من المواقع التي يستخدمونها.

وإذا كانت مواقع التواصل الرقمي في الدول الغربية تخضع لمعايير وقوانين تساهم في الحفاظ على خصوصيات المستخدمين إلى حد ما، وتقلل من إمكانية استغلال معلوماتهم الشخصية لأغراض غير قانونية في الحد المتوسط، فإننا في الوطن العربي تكاد تكون خصوصياتنا عارية تماما من كل ستر، فما زال الكثير من الدول العربية غير مشمول بقوانين تحمي الخصوصية، حتى التي سنّت هذه القوانين فقد ضمنتها الكثير من الثغرات التي يمكن لها خرقها، أو لم تمنح الجهات القضائية اختصاص النظر في نوع من الجرائم كهذه، وبالتالي لا يجد المُعتدى عليه جهة ما تساعده في الحصول على حقه ورفع الظلم عنه، بل إن الفترة التي تلت ما سُمي بـ(الربيع العربي) شهدت أسوأ انتهاكات للخصوصية في الوطن العربي، فلم يكن الحاكم العربي على دراية تامة بحجم الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الرقمي، في إذكاء روح التعرض والتضامن مع الآخرين، والاستجابة لنداءات الاحتجاج والنزول إلى الشوارع والثورة.

وعليه فقد اندفعت الأجهزة الأمنية العربية في تحديث منظوماتها الالكترونية الرقابية بمنظومات جديدة ومتطورة، ووضعت لها منصات إلكترونية كبيرة وعديدة للترويج لسياساتها، وأنشأت الكثير من الجيوش الالكترونية الوهمية التي تتصيد من يخالفونها الرأي. كما سارعت لتشريع الكثير من القوانين التي تمكّن اليد الأمنية من خرق خصوصيات المستخدمين لهذه المواقع.

ففي مصر أصدر النائب العام قرارا بمراقبة مواقع التواصل بحجة استغلالها في بث أخبار كاذبة. كما نوقش مشروع قانون الجريمة الإلكترونية في البرلمان المصري. وفي الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والسعودية، صدرت أحكام بالسجن على عدد من الناشطين المدونين. بينما صنفت تقارير المنظمات الدولية الإمارات والسعودية والسودان بأنها الأكثر صرامة في مراقبة المترددين على مواقع التواصل، وأنهم استوردوا أحدث الأجهزة الالكترونية المراقبة لهذه النشاطات.

ولعل الخلاف الذي حصل بين دولة قطر ودول الحصار الاربع، كشف بصورة جلية حجم الرقابة المفروضة على النشاط الاجتماعي الرقمي، حيث تم اعتقال بعض المدونين الذي أعلنوا استنكارهم للاجراءات التي فُرضت على قطر.

إن حماية خصوصية المواطن العربي الذي يستخدم مواقع التواصل هي ضرب من الخيال في الوقت الراهن. ويتشارك في أسباب حصول ذلك المواطن العربي نفسه، حيث أن مجتمعاتنا العربية هي مجتمعات استهلاكية للرقمنة، وتجهل الكثير عن شروط الاستخدام الامثل لها، لاننا مازلنا نعيش في حالة التلقي السلبي لكل ما يأتينا. كما أن مشاركتنا في مواقع التواصل غالبا ما يكون الهدف منها هو التسلية وقضاء الوقت. وإذا ما جمعنا عامل أمية الوعي السياسي المتفشي في مجتمعاتنا، مع عامل أمية الوعي الرقمي السائد بيننا، فإن الحاصل سيكون خفوتا تاما لغريزة الاعتراض أو الاحتجاج على انتهاك خصوصياتنا من قبل الاخرين، في ظل حالة الخنوع التام لسلطة هواتفنا الذكية علينا، التي بتنا نحافظ عليها أكثر من حفاظنا على اولادنا.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :107,482,280

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"