رسائل متبادلة ملفقة بين طارق عزيز ودِك تشيني.. المغزى والاهداف!

سامي سعدون

نشر موقع "البغدادية" نقلاً عن موقع "درج" اللبناني في 19 نيسان/ أبريل الجاري ان الخارجية ‏الأميركية سمحت بنشر رسالتين أدعّت انهما من الأستاذ طارق عزير نائب رئيس الوزراء ‏الى دِك تشيني نائب الرئيس الأميركي، ونشرت الرد الأميركي عليهما!

 

والغرابة في تأريخهما في 23 آذار/ مارس و4 نيسان/ ابريل ‏‏2003 أي في ظل العدوان الأميركي لاحتلال العراق واقتراب القوات الغازية من بغداد مما يعزز الشكوك ‏حول صحتهما والمرامي وراء النشر في هذا التأريخ بالذات، وبقراءة متأنية لمحتواهما وتوقيت النشر ‏نهتدي الى الاتي:

‏1ـ ان هذه المراسلات ملفقة ومن المستحيل اجراء مثل هذا النوع من المراسلات في ظل أجواء حرب ‏وقصف مع انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ومنذ العدوان الثلاثيني عام 1991، فبأية وسيلة تم ‏تبادل هذه الرسائل اذ انقطع العراق عن العالم تماماً آنذاك حتى السفارات العراقية أصبحت معزولة وتعذر ‏الاتصال بمركز وزارة الخارجية.

ولماذا مع دِك تشيني احد عرابي الاحتلال، اذا لم يكن غرضها ‏الإساءة للعراق وقيادته وبما يصوّر ان القيادة العراقية كانت تتوسل الحوار والعلاقة الودية مع الولايات ‏المتحدة! ولماذا لم تكن بين وزيري الخارجية وعبر وسائل دبلوماسية؟!

‏ 2ـ ولتعزيز زيف المراسلات بطرح اهتمامات العراق آنذاك والمتمثلة بتجنب الحرب ، اكدت على ‏استهداف العراق وقرار الإدارة الأميركية احتلاله وفق اتهامات وذرائع مشكوك فيها اذ يقول تشيني في الرسائل المزعومة "‏نحن لسنا متأكدين من ان للعراق علاقة بالقاعدة او بجريمة 11 أيلول/ سبتمبر، ولا دليل قاطع على انكم ‏تمتلكون أسلحة محظورة دولياً، ومع هذا فان المحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش توصلوا الى ان ‏سبب الإرهاب هو لفقدان الديمقراطية في بلدانكم اجمع وقررنا البدء بالعراق البلد الكبير والغني والمنّوع ‏الأتنيات والأديان والطوائف ليكون النموذج لباقي دول الشرق الاوسط".‏

‏3:ـ  الجهات المزورة كانت بارعة في تقليد وتزوير طريقة الكتابة وأسلوب التخاطب الدبلوماسي ‏والقريبة من أسلوب الأستاذ طارق عزيز، اذ كتبت بطريقة توحي للقارىء بصحة حصولها ، وهو امر ليس ‏صعباً وذلك بالاعتماد على مراسلاته القديمة عندما كان وزيراً للخارجية، وما اكثرها، إضافة الى ‏المقابلات واللقاءات مع الصحافة ووسائل الاعلام، لاسيما وان الخطاب السياسي العراقي كان معروفاً ‏وطريقة تفكير القيادة العراقية بما ينقذ البلاد ويجنبها الحرب كانت مكشوفة ومعلنة! ونموذجها ما ورد ‏من رد بقوة وبتهكم على تشيني بعد وصفه القيادة والرئيس صدام حسين بالغباء السياسي وعدم المعرفة ‏بالعالم والدبلوماسية بالقول المنسوب الى الأستاذ طارق "نذكركم بأن رئيسكم بوش، وبحسب ما ‏أوردته صحيفة نيويورك تايمز، لم يعرف موقع العراق على الخارطة الا قبل أيام قليلة" أي ان الغبي هو ‏بوش.‏

‏ 4:ـ العدوان والاحتلال وتدمير العراق كان مقرراً ومعداً سلفاً وبتهم اكدها تشيني، في الرسائل  المزيفة ‏وكانت قد ألصقت بالعراق وهي معروفة، وتأكيدها لإضفاء نوع من المصداقية عليها! ومن هذه ‏اعتبار بوش ان العراق واحد من أطراف ثلاثة ضمن "محور الشر" ومعاقبته  وتحميله مسؤولية ‏احداث 11 سبتمبر، ومن ثم الزعم بامتلاكه أسلحة محرمة ومحظورة دولياً. وكل هذه أكاذيب ‏ثبت بطلانها واعترف بذلك بوش وحليفه بلير وما اثبتته لجنة تشيلكوت البريطانية في تحقيقها الموسع ‏عن الاحتلال الذي ادانته واعتبرته مجرد خطأ!

‏5:ـ المزورون محترفون وبارعون ليس في أسلوب الصياغة حسب وانما في الحجة والردود المحبوكة ‏والدراية بما يشغل بال القيادة العراقية، ومنها اطماع الأميركان بنفط العراق وهي حقائق مكشوفة ‏وكانت مادة للصحافة والاعلام ولذلك ايدها تشيني وعلى النمط الأميركي في التبجح والمراوغة بقوله ‏‏"ان احتلال العراق لعشرات السنين يكلفنا من المال ما لن يعوضنا عنه نفط العراق" وبالرأي في ‏الديمقراطية وتوريط احمد جلبي لأميركا باستهداف بلادنا اذ نسب للأستاذ طارق عزيز قوله "العراق بلد ليس ‏فقط كبير وغني وانما صعب ولا يصلح مكاناً للنموذج الديمقراطي الذي تتخيلونه لما يعج به من أطياف ‏واديان واثنيات، فتحرير الشيعة (تسلطهم!) سيدفع بهم الى أحضان ايران وليس لأحضان الديمقراطية! ‏وقد اعترف تشيني بقوله "لقد فتح جلبي اعيننا على ذلك" ولكي تنطلي اللعبة اوردوا حقيقة ما يجري ‏تآمر وتشخيص القيادة له فجاء التحليل الذي نسب للأستاذ طارق عزيز صائباً في ديمقراطيتهم وعدم ‏صلاحها لشعوبنا، فتحقق ارتماء العملية السياسية في العراق ومعها السلطة الفاسدة، وبضوء اخضر ‏أميركي، بأحضان إيران وابتلاع الفرس البلاد والهيمنة على السلطة والتمدد والوصول حتى  البحر ‏المتوسط بعد ضم أربعة عواصم عربية وتهديد كل الدول العربية وبالأخص الخليج العربي بما في ذلك احتلال ‏مكة المكرمة.

‏ 6ـ مما يؤكد ان هذه المراسلات التي ثبتّت تواريخها بين ( 23 آذار و4 نيسان 2003 ) ملفقة لما فيها ‏من دس واضح للاساءة الى العراق وقيادته العربية الاصيلة وهو ما يتنافى وخلق ومبدئية الحكم ‏الوطني وما حفلت به مسيرة حكم 35 سنة، ومن الدس الواضح والتجني المقصود ما يسيء لبعض ‏الاشقاء والاكذوبة الكبرى في زعم استعداد العراق "الترويج للسلام مع إسرائيل" وهو دس لن ‏يصدقه حتى أعداء العراق، إذ أن موقف العراق من فلسطين ثابت وهي قضيته المركزية والتي كانت احد ‏اهم أسباب استهدافه واحتلاله. وهل يعقل من العراق البلد العربي الوحيد الذي دكَّت صواريخه مواقع ‏داخل تل ابيب ومدناً أخرى ان يتخلى عن قضيته العزيزة والمقدسة التي تشكل اساس نضاله القومي؟!

‏7ـ إضافة الى الدس، انعدام الصدقية ووجود اكثر من علامة استفهام، فلماذا تأخر نشر الرسالتين 15 ‏عاماً من قبل الخارجية الأميركية مع انه ليس فيهما من السرية ما يتطلب الحجب؟! ولماذا النشر في هذا ‏الوقت، وهل له علاقة بالسلطة الفاسدة والانتخابات ‏القريبة؟! وهل لأن شعبية حزب البعث العربي الاشتراكي والحكم الوطني في تصاعد رغم كل الإجراءات الوحشية من ‏اجتثاث وحظر واعتقالات واعدامات ومطاردات وتهجير وتشريد وما الى ذلك؟! وهل هو الخشية من ‏التأثير وربما النجاح في مقاطعة الانتخابات او احجام العدد الأكبر عن التصويت لاسقاط عملاء المحتلين ‏من الأحزاب وقياداتها الفاسدة اذ ردد المتظاهرون في النجف والمثنى والقادسية وواسط والناصرية ‏والبصرة وبغداد والكاظمية عند طردهم العبادي والمالكي والحكيم وممثليهم من المرشحين شعارات تؤكد الحنين إلى زمن الرئيس صدام حسين والعهد الوطني؟! ولماذا لم تنشر هذه الرسائل خلال حياة الأستاذ ‏طارق عزيز؟! أليس ان فائدتها اكبر عند نشرها آنذاك وبالذات اثناء محاكمته للنيل من قادة الحكم الوطني ‏وتأليب الفلسطينيين والسعوديين والسوريين ضدهم وزيادة حقد وحنق ملالي ايران؟! وهل هو رسالة ‏لحكام طهران وللنظام السوري بعد التصعيد الأخير؟

مما لاشك فيه ان الدس  والتزوير مقصودان ‏واطلاقهما في هذا الوقت له مراميه واهدافه التي لا تخفى على المتابعين والعارفين بخبايا السياسة ‏الأميركية.‏

‏8ـ يبقى ان اطلاق نشر الرسالتين المزعومتين قد خدم الحكم الوطني العراقي وكشفت، دون ادراك، ‏تعرضه للظلم والعدوان والحصار والاحتلال، وان قيادته حاولت تجنيب البلاد والشعب ما حصل له من ‏كوارث كانت مقررة سلفاً لما يتمتع به العراق من موقع استراتيجي هام هو قلب العالمين العربي ‏والإسلامي في الشرق الأوسط الرابط بين البحار والمحيطات ، طمعاً بنفطه وللتواجد في عمق المنطقة ‏العربية الاستراتيجية لتنفيذ مخطط التفتيت وتحويل دولها العربية الى كيانات مجهرية وفق نظرية صراع ‏الحضارات للصهيوني صموئيل هنتغتون، ومن ناحية أخرى يؤكد حقيقة الولايات المتحدة بثوبها ‏الاستعماري الجديد والذي ترجم، بانفضاح تام، باحتلال العراق والذي يجب ان يكون مدعاة للدول ‏العربية وامتنا لمراجعة الموقف الصامت والخانع إزاء العراق ومقاومته الباسلة وضرورة وحدة الصف ‏للحماية والحفاظ على الثروات وعدم الوثوق بالأميركان وشعاراتهم الخادعة ووعودهم بحمايتهم من ‏ملالي ايران ،وهذا ما حذر منه العراق قبل ان يبيعه الرسميون العرب.‏

 

رابط المراسلات المزعومة هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,816,088

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"