عن الانتخابات: أبعد من المنزلة بين منزلتين!

سهيل سامي نادر

إذ يدعو أخي وصديقي العزيز نصير غدير الى مقاطعة الانتخابات ، ويورد مجموعة من النقاط أو الحجج التي أرى أنها صحيحة ، وسبق أن كتبت مقالات بمضمونها ، لا أدعو أنا للمقاطعة ولا أدعو للمشاركة فيها ، بل أرى الانتخابات كلها في إطار النظام السياسي وموازين القوى. لست صاحب دعوة ولا دعاوى ، ومهمتي ككاتب هي الحديث عما أعرف وأراه ، من دون أن أنزل سقوفا أو أرفعها .

 إن حججي الخاصة معقدة بعض الشيء ، فإذ أؤيد الحجج التي يسوقها نصير ، أمدّ حججي مؤشرا الى النظام السياسي الذي أخرج الى النور ولادات مشوهة . ففي ما عدا النظام الانتخابي الذي يضيق فرص القوى غير الطائفية ، وإمكانية التزوير ، والاثنان جربا في صعود فاسدين سياسيا وأخلاقيا (والمجرب لا يجرب) ، أرى أن الانتخابات الحالية تمثل لحظة تفسخ في النظام السياسي الحالي ، ولحظة انقسام سياسي – مجتمعي . إن هذا الكم من المرشحين ، والقوائم ، والمسميات السياسية التي هي بلا تاريخ ولا قواعد ، وهذه الدعايات الانتخابية المضحكة ، والاموال المصروفة ، تشير إلى تحول السياسة الى مشروع ربحي . لقد تحولت السياسة من سياقها المنطقي كتدبير وحل للمشاكل الى مشكلة. إن هذه الكثرة المتنافسة تعكس الواقع الفقير للبيئة السياسية المتحولة الى دكاكين تبيع وتشتري وتساوم وتقوم بتسجيل الديون . إنه الفقر السياسي والاخلاقي ، التفاهة ، الانقسامات ، الصراع من اجل الربح والتحكم بالناس ، المناطقية السافرة ، الطائفية المخادعة التي باتت تتستر بأردية سياسية ومدنية ، العشائرية التي حلت محل المجتمع المدني ، حيل بناء كيانات سياسية على قدر اللعبة الانتخابية : تلك هي صورة الانتخابات كما أراها في سياق النظام السياسي . وبرغم ذلك أرى أن قرار الامتناع أو المشاركة متروك للمواطنين ، سواء كانوا افرادا أحرارا أو مكبلين بقيود الطائفة والعشيرة وأوهام السلطة . في غياب شروط أي تحول ثوري ، وغياب شروط حدوث تحولات عقلانية في النظام السياسي ، بل وفي غياب إمكانية الاصلاح السياسي على الأقل ، لا مفر من قطع الشوط كله ، ومراقبة البيئة السياسية وهي تتقيأ آخر مبتكراتها الفاسدة وسمومها ومخادعاتها . إن موسم الانتخابات العراقي هو موسم الفضائح ! ليكن إذن موسم فضائح ! برغم ذلك توجد بعض الفضائل في هذه اللعبة – فضائل تناسب الأوصاف التي قدمتها في أعلاه : - مزيد من الانكشافات السياسية ، فنحن إزاء معركة وليس تنافسا ، معركة تشترك فيها أصابع من خارج الحدود. - التعرف على النهاية : كيف يستطيع منقسمون ومتولدون آنيا بلا تاريخ ولا فضائل من تجميع أنفسهم سياسيا ووطنيا في حكومة ومشروع بناء دولة وطنية؟ من يقف أمام من؟ ومن يقف وراء من؟. - تجربة في التشظي وتوقع الفضائح . - انكشاف جماعات عابرة للطوائف كجماعات تخادم سياسي بين فاسدين. - رؤية عدد هائل من التصرفات السياسية ، وعدد غير متوقع من النتائج. - حصول البعض على استحقات أقل وحصول البعض على استحقاقات أعلى .. فضائل العجب والاستفهام والغضب . - المرجعية الدينية الشيعية باتت تنأى بنفسها عن المواقف الطائفية والانحياز السياسي .. وهذا الموقف فهمته ليس تأكيدا لموقف محايد ، وهو كذلك بالطبع ، بل استيعابا للمشكلة السياسية ذات الافق الطائفي والانقسامي ومخاطرها الجدية. لم تعد الطائفة الشيعية مهددة من دواعش سنية ، فالانقسامات السياسية شملتها وحلحلتها وأثارت فيها الاضطراب. إن أماني الحصول على أموال "الريّ" بات صافيا بلا مشاعر بالإثم ، وأكبر من الوازع الديني والطائفي! - هناك أخيرا فضائل أن يفوز شرفاء ومراهنون يمتلكون الشجاعة .. لم لا ؟ إذن أنا لا أدعو الى مقاطعة الانتخابات، ولا أدعو الى المشاركة فيها ، بل أواصل النقد في كل الاحوال . أبرر موقفي هذا من الناحية الذاتية على النحو الآتي : لا أمثل جماعة سياسية تخوض الانتخابات ، ولست بصدد صياغة موقف سياسي أدعو اليه وأشرك به آخرين . في مجتمع لم يتحرر بعد من الروح "المجموعية" المليئة بالدسائس والأوامر والنواهي والعنف ، سنحتاج بالمقابل الى زعازع سياسية تخضّ الرواسب العشائرية والمناطقية والطائفية ومزاعم احترام الزعامات المحلية .. والانتخابات مناسبة لنشاط كاشف ولعوب . إزاء ذلك أرى أن مهمة المثقف هي كشف الأغطية الاديولوجية ، وبث الخلل الموضوعي في القناعات الشعبية ، وتحرير عقول الناس من الخوف ، ودفعهم الى معرفة تجاربهم الشخصية والاجتماعية ، وتحويل الاهتمام من نقد عروض النظام السياسي الى نقد النظام نفسه . وبما يتعلق بقضايا ذات طابع عملي أرى : - أن مقاطعة الانتخابات على اساس عدم إضفاء الشرعية عليها ، لا يسحب الشرعية من النظام السياسي التي نظمها . فشرعية النظام تأسست من البداية على تفاهمات اقليمية ودولية وفي ظل احتلال أجنبي ، وكتابة دستور مستعجل ، وتنظيم انتخابات معروفة النتائج . - أن إضعاف المشاركة لا يؤدي الى تحولات في المواقف الدولية والاقليمية من النظام ، فالعراق متروك كساحة تجارب ، ثقب لتحويل أموال مغتصبة ، سوق حرة للسيارات والادوات المنزلية ، سوق لبيع تواريخ مزيفة ، سوق لبيع سقط المتاع لدول الجوار ، مطعم كبير يعبق برائحة زفر ، هواء مسموم بالاساطير والاكاذيب وضروب الخيانات والملوثات الأخرى المعروفة وغير المعروفة ، مُخترق بأنواع المخابرات والمصالح الدولية والاقليمية . - قد يقاطع الملايين هذه الانتخابات بسبب اليأس وانعدام الجدوى ، لكن لم يصبح صوت المقاطعة منظما وجماهيريا في سياق حراك سياسي واسع بعد. ثمة دالة رياضية للمتغيرات تعصف بنا الآن ، متشكلة من اجتماع الغضب ، والأخطاء البديهية ، والنبالة المجروحة ، والروح الوطني المتألم ، والقسوة ، والنهب المنظم ، والتفاهة ، والانحطاط الاخلاقي ، والهوة ما بين العقائد والسلوك للجماعات السياسية ، ومصادفات الطريق والتفسخ ورائحة البلاليع .. وسنحتاج الى "أمير" شاب يؤشر الى طريق آخر!


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :113,343,849

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"