"مأذونة شرعية".. هل يقبل الرجل بأن تعقد قرانه امرأة؟

لطالما ظلت بعض المهن في الدول العربية حكرا على الرجل، ليس لعجز المرأة على توليها، ولكن لكون الموروث الثقافي والاجتماعي يحظر عليها ذلك. ويبدو أن هذه الموانع بدأت تتحطم بالتدريج في خضم التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية، وسعي المرأة نفسها إلى اقتحام مجالات العمل المختلفة لإثبات ذاتها ككائن يتساوى مع الرجل في الحقوق والواجبات.

 وتولت المرأة العربية منذ القدم العديد من المهن على غرار الرجل، ومع تطور المجتمعات العربية فتحت أمامها الأبواب لولوج عوالم أخرى، وباتت وزيرة وقاضية ومسؤولة في الجيش، لكن مع ذلك ظلت وظائف بعينها حكرا على الرجل، باعتبار أنه هو الأقدر على ممارستها، بخلاف المرأة التي لا تسمح لها طبيعتها الأنثوية بخوضها، بحسب ما تذهب إليه بعض الآراء.

في السنوات الأخيرة بدأت المرأة العربية تكسر الحواجز يساعدها في ذلك تغير نظرة المجتمع للعديد من الأمور، وتغير فتاوى بعض العلماء. ومن ذلك أنها أصبحت تتولى مهنة "مأذون شرعي"، أي أنها تبرم عقود الزواج في المحاكم، وهي مهنة تتطلب مؤهلات معينة، وكانت إلى وقت قريب مرفوضة بشكل قاطع بحكم العادات والتقاليد، وما زالت كذلك في بعض المجتمعات العربية. 

والمأذون الشرعي هو موثق يشهد على صحة عقود الزواج والميراث والمعاملات التجارية والمدنية، ويعمل تحت وصاية القضاة في مختلف محاكم الدول.

المغرب يلتحق بدول أخرى

في المغرب تقدمت نساء أمس الأحد للمرة الأولى لمسابقة تتعلق بمهنة "المأذون الشرعي" أو "العدل" أمام كلية الآداب في العاصمة الرباط، ولم تكن إلهام (25 عاما) لتخوض هذه المسابقة لولا فتوى رسمية صدرت في كانون الثاني/يناير الماضي 2018، بأمر من الملك محمد السادس، وأثارت جدلا لمخالفتها التقليد السائد بمنع المرأة من تولي هذه الوظيفة.

وتقول هذه الشابة لوكالة الصحافة الفرنسية "لم يخطر ببالي أن أصبح يوما ما مأذونة شرعية، لكن عندما صدر القرار اعتبرته فرصة لأجرب حظي بما أنني درست الحقوق".

وتمثل النساء 40% من نحو 19 ألف مرشح يتنافسون على 800 وظيفة جديدة لمأذونين شرعيين سيكون اختيارهم "بناء على الاستحقاق ودون أي تمييز إيجابي لصالح النساء"، كما أوضح مسؤول بوزارة العدل المغربية المشرفة على المسابقة لوكالة الصحافة الفرنسية.

وليس المغرب هو البلد الوحيد الذي سمح للنساء بدخول "مهنة المأذونية"، فقد سبقته في ذلك دول عربية أخرى، أولها تونس التي سمحت بذلك منذ عام 2007، ثم مصر التي كانت أول امرأة فيها تتولى المنصب هي أمل سليمان عفيفي في 25 تشرين الأول /أكتوبر 2008.

كما عينت فاطمة العواني أول مأذونة شرعية في دائرة القضاء في العاصمة الإماراتية أبو ظبي. 

وجاء دور فلسطين بعد ذلك، فتحرير حماد (33 عاما) المرأة الحاصلة على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية المعاصرة، أصبحت في آب/أغسطس 2015 "مأذونة شرعية" بعد أن سمح لها مجلس القضاء الأعلى في رام الله بذلك، وبرر المجلس موقفه ذلك بعدم وجود مانع شرعي أو مانع عرفي من تكليف أو تعيين مأذونة لإجراء عقود الزواج. كما أن قيادة السلطة الفلسطينية دعمت توليها لهذا المنصب.

أما حماد فقالت حينها إنها خاضت هذا المنصب من أجل كسر بعض القيود الموضوعة على عمل المرأة.

مؤيدون ورافضون

غير أن انفتاح المرأة على المناصب التي ظلت حكرا على الرجال لا يخلو من الجدل المتواصل، وإذا كان البعض يؤيد الخطوة ويعتبرها نموذجا للارتقاء بالمرأة والخروج بها من دائرة النمطية، فهناك من يعارض ذلك ويعتبر الخطوة مخالفة للشرع وللعادات والتقاليد التي تحكم المجتمع العربي.

واستندت الدول التي سمحت بمهنة المأذونية للمرأة إلى فتاوى رسمية، فقد أصدر مفتي مصر السابق الدكتور علي جمعة عام 2008 فتوى رسمية أباح فيها عمل المرأة في وظيفة "مأذون"، ورأى أن ذلك لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. وقال جمعة في فتواه "للمرأة الرشيد أن تزوج نفسها وغيرها، وأن توكل في النكاح، طالما توافر فيها شرطا العدالة والمعرفة".

وفي الرأي المقابل، يقول الأستاذ الجامعي المتخصص في العقيدة والفرق والأديان والمذاهب المعاصرة في الجامعة الإسلامية بغزة الدكتور صالح الرقب في تصريح له إن "الإسلام لا يحبذ للمرأة أن تخرج للعمل إلا في حالتين الأولى حاجة المجتمع لعملها وعمل المرأة مأذونة ليس المجتمع بحاجة إليها، والحالة الثانية حاجتها للعمل، وهنا توفر لها الدولة عملا مناسبا لطبيعتها الأنثوية".

ويؤكد الدكتور الفلسطيني أن "كثيرا من عقود الزواج تكون في المساجد بعد الصلاة مباشرة فهل يجوز إقحام المرأة في ذلك، كما أن في عملها اختلاطا بالرجال ومخاطباتهم وغير ذلك مما يسبب لها حرجا في دينها وأخلاقها"، متسائلا "مرت سنوات كثر دون إقحام المرأة في العمل مأذونة، لماذا يجري إقحامها اليوم في هذا المجال؟".

كما عبر بعض الدعاة والناشطين في المغرب عن رفضهم لتولي المرأة منصب "المأذون الشرعي"، وخصوصا أنه تزامن مع احتدام الجدل حول مطلب آخر يتعلق بالمساواة في الإرث. ويؤكد الداعية حسن الكتاني لوكالة الصحافة الفرنسية "أنا ضد هذا القرار لأنه يخالف الشريعة، ونحن مسلمون واجب علينا الالتزام بالشريعة، وأعتبره سعيا لعلمنة آخر قانون مستمد من الشريعة وخصوصا الإرث".

وبين المؤيدين والمعارضين، يرى مراقبون أن "المأذونة الشرعية" في الدول العربية ستواجه عقبات خلال أداء عملها في مجتمعات توصف بالذكورية، وبحكم أنه من الصعب على الناس تقبل أشياء خارجة عن قناعاتهم الراسخة، وهو ما عبرت عنه المأذونة الفلسطينية التي قالت في تصريح سابق لها إنها واجهت رفضا من قبل زوجين، أحدهما لم يكن لديه أي مبرر سوى أنه يرفض أن تعقد زواجه سيّدة.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,678,316

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"