العراق سجن كبير للأحرار

 نزار السامرائي

يعد العراق واحدا من أكثر بلدان العالم خرقا لحقوق الإنسان وبشهادة المنظمات الدولية والحقوقية الإنسانية، إذ يتم تنفيذ أحكام الإعدام من دون استيفاء شروط العدالة في التقاضي، فكثيرا من المحاكمات لا تستغرق إلا دقائق معدودة لتصدر حزمة من أحكام الإعدام بحق أعداد يصعب إحصاؤها ولتنفذ على عجل على الرغم من أن تلك الأحكام لم تتم المصادقة عليها، وبالتالي فهي أقرب إلى القتل خارج القانون منها إلى أحكام قضائية عادلة، هذا فضلا عن أن المعتقلين والسجناء يتعرضون لأساليب تعذيب مبتكرة والتجويع المقصود والتعمد في عدم تقديم الخدمات الطبية وحصر المئات في زنازين ضيقة لا تتوفر فيها أبسط الشروط الصحية الإنسانية، كل هذا يحصل ولم تسجل إحالة واحد من المتهمين بجرائم التعذيب إلى العدالة لينالوا جزاءهم مع أن المنظمات الإنسانية طالبت باستمرار بوضع حد لهذه الانتهاكات وإحالة المتهمين بالانتهاكات إلى القضاء.

ولا ينفرد العراق بهذه الممارسات، إذ يشاركه في ذلك كل من إيران والنظام السوري، ونستطيع أن نجزم أن المدرسة الإيرانية المنهجية كانت معهد تدريب مهني متخصص لنقل الخبرات الإيرانية المتأصلة عبر التاريخ لدى ملوك إيران، فالتاريخ يذكر لنا قصة مأساوية عن تعامل إيران مع أسراها ومعتقليها، وهي قصة سابور ذي الأكتاف، الذي كان يخلع أكتاف أسراه، لكن هذا ليس معناه أن (ثقافة التعذيب) التي كانت سائدة في بعض البلدان هي صناعة إيرانية فقط، بل هي طبع غريزي لدى أجهزة القمع التي تمتلكها النظم المعزولة عن شعوبها بهدف اسكات الأصوات المعارضة، ولنا في ممارسات نظام الأسد الأب أوضح مثال على هذا النهج المنحرف دينيا وأخلاقيا وقانونيا وإنسانيا.

أعداد المعتقلين والمحتجزين

لا أحد يعرفها على الاطلاق بمن فيهم رئيس الحكومة يستطيع الزعم بمعرفته بعدد المعتقلين ذلك أن السجون والمعتقلات ومراكز الشرطة تشهد حركة من إدخال النزلاء الجدد ونقل بعضهم إلى أماكن أخرى على مدار الساعة، فضلا عن أن للحكومة سجونها وللمليشيات المسلحة التي تتبع الأحزاب الحاكمة معتقلاتها السرية البعيدة عن أنظار الحكومة والتي تحتجز فيها خصومها السياسيين أو عناصر المليشيات المسلحة المتنازعة معها على مناطق النفوذ والسيطرة على مصادر الثروة كالمزارات الدينية ومناطق انتاج النفط والمنافذ الحدودية، ومما يثير دهشة المراقب أن الأرقام الافتراضية للقابعين وراء القضبان يتراوح بين اثني عشر ألفا وخمسة وعشرين ألفا مع أن الأرقام السابقة كانت تفوق هذه الأرقام بعدة أضعاف، وهذا التفاوت الاستثنائي في الأرقام ناتج عن:

1 - إن المنظمات الإنسانية غير الحكومية وكذلك المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة غير مسموح لها بزيارات منتظمة أو مقطوعة للمواقع التي يحتجز فيها المعتقلون هذا في حال رغبتها الحقيقية بمثل هذه الزيارات من دون أي استعداد لنفسها في الدخول في مجازفات غير مدروسة أمنية أو سياسية، على الرغم من أن الحكومة تعطي موافقات رسمية معلنة لأغراض الاستهلاك السياسي والإعلامي ولكنها في واقع الحال تضع العراقيل الجدية أمام تنفيذ هذه الزيارات، ولا تمارس دورها في إنفاذ مواقفها السياسية بالالتزام بوضع حد نهائي لما تشهده السجون الحكومية على الأقل من انتهاكات فاضحة لكل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية في هذا الشأن، ومع ذلك نراها لا تصدر موقفا معلنا يحدد موقفا بعدد المحتجزين أو التهم الموجهة إليهم، خاصة وأن القانون السائد في العراق لا يجيز الاحتفاظ بالمحتجز أكثر من أربع وعشرين ساعة إلا ويتم البت القضائي بشأنه، إما إحالة إلى القضاء أو إطلاق سراح على ذمة التحقيق بكفالة معلومة، هذه الخروقات هي التي أغرت الجهات التي تحتجز المواطنين لممارسة المزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان.

2 – غياب سلطة الحكومة وانعدام قدرتها على ضبط إيقاع سلوك أجهزتها التنفيذية، لأن تلك الأجهزة وجدت ضعفا معيبا في بسط هيمنة الدولة على كل مؤسساتها، فأطلق كل طرف منها لنفسه العنان ليتصرف بمنطق الدولة داخل الدولة إشباعا لغريزة السلطة واعتبار السجون والمعتقلات مركزا انتاجيا لكسب المال الحرام، وذلك عن طريق عقد الصفقات المالية لمقايضة مصير المعتقلين بفدى مالية تكبر أو تصغر على وفق المكانة السياسية أو الاجتماعية أو المالية للمحتجز، وعادة تتضح هذه الممارسة في المعتقلات السرية التابعة للميليشيات الطائفية المسلحة التي اعتبرتها أهم جزء من مداخيلها ومواردها المالية، إن دور الميليشيات المسلحة وصل حدا بحيث لا تستطيع الدولة بجيشها وشرطتها من وضع حد لممارساتها في قمع خصومها وفرض كلمتها على الشارع، حتى صارت تلك الميليشيات قوة مسلحة موازية للقوات المسلحة ويذهب بعض المحللين إلى اعتبار فتوى الجهاد الكفائي لعلي السيستاني مجرد إخراج مسرحي بائس لأمر واقع على الأرض، فمن جهة كانت هذه الميليشيات موجود أصلا وتعمل في مختلف مدن العراق بحرية تفوق حرية القوات المسلحة، ومن جهة أخرى فإن الشطر الأعظم من هذه الميليشيات لا تتبع السيستاني من حيث التقليد المذهبي الذي يعتبر شرطا من شروط اقتفاء الخطوات السياسية والدينية والمالية، وعندما صارت هذه الميليشيات قوة ضاربة على الأرض راحت مستغلة الظرف الأمني الذي أعقب سيطرة تنظيم الدولة على مدن الوسط في ظروف تثير كثيرا من الشكوك والتساؤلات، تختطف المواطنين وتغيبهم في سجون سرية لم يستطع طرف محلي أو دولي التعرف على حقيقتها على الرغم من أن عدة سنوات مضت على اختطافهم من بيوتهم في مدن ديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى، وفشلت كل المحاولات للوصول إليهم مما يؤكد أن كثيرا منهم قد فارقوا الحياة.

3 – الصراع السياسي داخل العملية السياسية التي جاء بها المحتلون وعدم وجود وحدة في تصور الحل الذي يتمكن من انتشال العراق من محنته، وانعكس هذا التباين الطبيعي بين أطراف منتفعة من الاحتلال والهيمنة وتشارك في الحكومة، على قدرة أي طرف فيها على قدرته في اتخاذ القرار السياسي أيا كان شكله، لقد صار المعتقلون ضحية لهذا الصراع الذي يتقلبون فيه بين تعذيب وتجويع وإهمال طبي حتى الموت، وكأن من صممه قد أصدر أحكاما بالإعدام عليهم ولكنه إعدام جديد ضجة دولية كما هو حاصل في الوقت الحاضر.

4- لقد كان لغياب العدالة وانحياز السلطة القضائية إلى أوامر السلطة التنفيذية دورا مهما في ضياع مصير عشرات الالاف من المواطنين العراقيين إما بإصدار أحكام صورية أو لسماحها بعدم استيفاء شروط العدالة بالتقاضي كلزوم توكيل محام عن المتهمين والالتقاء بهم وكذلك وضع قيود على السجناء بمواجهات دورية مع أفراد أسرهم وتوفير الحدود الدنيا من مستلزمات البشر مع ضمان الخدمات الطبية الوقائية والعلاجية مع مضاجع وظروف سجن إنسانية تتوفر فيها الشروط الصحية من هواء نقي وشمس مناسبة.

لقد تواطأت السلطة القضائية مع توجهات الميليشيات المسلحة بل خضعت لها تماما إما خوفا من بطشها أو انجرارا إلى نزعة الانتقام التي سيطرت على توجهات المسيطرين عليها من  كل مخالف أو معارض لهم أو طمعا في مكسب مالي، فكانت آلاف الملفات تقبع على أدراجها العالية من دون أن تجد يدا تلامسها لتزيل عنها غبار الزمن، ولهذا لم يكن للسلطة القضائية دورا في إحقاق الحق وتطبيق العدالة، بل بات من المؤكد أن السلطة القضائية بحاجة إلى سلطة قضائية أخرى لمراقبة سيرها وتقويم عملها.

5- لقد وصل الفساد المالي في العراق إلى مستويات غير مسبوقة في إفساد الذمم والتلاعب في الضمير الإنساني وجعل من المستحيل التعامل مع المعتقلين والسجناء والمحتجزين والمختطفين من قبل جهات الرسمية أو شبه الرسمية، كقضية إنسانية وليست قضية انتقام سياسي كانت السلطة السياسية تغذيها إما بالسكوت عليها أو بتشجيعها على اعتماد أكثر الأساليب الوحشية في انتزاع اعترافات بالإكراه تحت لافتة حماية أمن المواطن ومنع عمليات إرهابية، وهكذا فقد صنفت السلطات الحاكمة كل معارضيها وخصومها السياسيين كإرهابيين حتى يثبت العكس.

إن الوضع المأساوي للسجناء المحكومين بأحكام الإعدام وخاصة في سجن الناصرية والذين يتم من خلال تنقلات عشوائية لهم بين سجن وآخر من أجل إثارة القلق في نفوس ذويهم، وانعدام شروط الإنسانية في السجن المذكور ومنع الزيارات الدورية والأجواء الخانقة التي تخيم على زنازين مغلقة، تدعو إلى رفع الصوت أمام المنظمات الحقوقية والدولية للتحرك من أجل وضع حد لهذه المأساة اظفنسانية التي يعاني منها رجال خدموا العراق بكل طاقاتهم ولم يثبت على أي واحد منهم التلاعب بالمال العام أو المسؤولية عن قطرة دم عراقية واحدة، خاصة وأن أكثر من 15 عاما قد انقضت عليهم في هذه المأساة وهي مدة كافية للوصول إلى أية حقيقة يبحث عنها الجلادون يريدون إلصاقها بهؤلاء الأبطال الذين واجهوا الظلم والتعذيب بصبر وجلد أذهل عدوهم فراحوا يوغلون في تعذيبهم وكأنهم يريدون منهم أن يستجدوا منهم العطف أو التنازل عن قيمهم قيم الرجال التي نشأوا عليها وأفنوا العمر من أجلها.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :104,816,111

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"